أي أن يجعل آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ (وصلة في عبادة ربه) هذا إن أريد بالسجود معناه الشرعي وجعل
آدم قبلة للسجود قوله (أو يعظمه ويتلقاه بالتحية) إن أريد الاحتمال الأول حين إرادة الْمَعْنَى
اللغوي قوله (أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه) إن أُريد الاحتمال الثاني منه(والإباء
امتناع باختيار، والتكبر).
قوله: (أن يرى الرجل وكذا المرأة نفسه أكبر من غيره) وهو حرام وإن كان الشخص
كَبيرًا في نفسه نسبًا وحسبًا وعلمًا وجاهًا. ذكره تمهيدًا لذكر الاستكبار.
قوله: (والاستكبار طلب ذلك بالتشبع) في الصحاح المتشبع المتزين بأكثر كما عنده يتكبر
بذلك ويتزين بالباطل، وفي القاموس هُوَ أن يرى شبعان وليس كَذَلكَ، وهذا مقتضى الصيغة وما
ذكر في الصحاح بيان الحاصل لأنه مجاز مَشْهُور وهو أشنع وأقبح من التكبر؛ ولهذا ورد في
الْحَديث:"المتشبع بما لم يملك كلابس ثوبي زور". نعم ذلك محمود في بعض المكان، وفي بعض
الأوقات كالمحاربة [حِينَئِذٍ] الْكُفَّار والتكبر عَلَى المتكبر (وكان من الْكَافرينَ) .
قوله: (أي في علم الله تَعَالَى) أي التَّعْبير بكان وهو يفيد دوام ثبوت الكفر له وسبقه
على هذا الزمان ولم يجر منه الكفر إلَى هنا باعْتبَار علمه تَعَالَى، فإن إبليس كان كافرًا في
علمه تَعَالَى ومحكومًا عليه بالكفر في الأزل، هذا بالنظر إلَى تعلق العلم في الأزل بأن إبليس
سيكون كافرًا وهذا التعلق قديم غير متغير ولا يتعلق عليه الْجَزَاء، وأما تعلقه بأنه كافر الآن
فحادث يترتب عليه الْجَزَاء وهو العقاب واللعن والطرد المؤبد والإخراج من بين الملأ
الأعلى، أَلَا [تَرَى] أنه تَعَالَى مع كونه عالمًا في الأزل بأنه سيكون كافرًا لم يعاتب عليه باللعن
والإخراج فقوله (أو صار منهم) إشَارَة إلَى أن كان بمعنى صار المفيدة للانتقال. أي صار
كافرًا بعدما كان مؤمنًا ظاهرًا أو حَقيقَة فتعلق علمه تَعَالَى بأنه صار كافرًا الآن واستحق
العتاب وهذا مقابل لعلمه تَعَالَى بالتعلق القديم بأنه سيكون كافرًا لا مطلق العلم؛ فإنه تَعَالَى:
( [لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مثْقَالُ ذَرَّةٍ في السَّمَاوَات وَلَا في الْأَرْض] ) وهكذا في كل
مَوْضع يقابل فيه الأمر لعلمه تَعَالَى فاحفظ هذا فإنه ينفعك في مواضع شتى.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: طلب ذلك بالتشييع ففي الاستكبار من المخالفة ما ليس في التكبر.
قوله: أي في علم الله تَعَالَى أو صار منهم معنى كلمة كان هذا إما متضمنة للمضي فيكون
الْمُرَاد كون إبليس في علم الله الأزلي من زمرة الْكَافرينَ، فعلى هذا الْجُمْلَة تذييل لبيان علة ما
تضمنه الْجُمْلَة المتقدمة من الإباء والاستكبار، عَلَى ما أشار إليه صاحب الكَشَّاف بقوله بعد ذكر
(وكان من الْكَافرينَ) (فلذلك) أبى واستكبر، وأما بمعنى صار فتكون الْجُمْلَة تذييلا واعتراضًا، وأراد
البيان أن كفر إبليس معلل بإبائه واستكباره عن [سجوده لآدم] وامتناعه عن الامتثال بأمر مولاه
والحاصل أن مضمون هذه الْجُمْلَة عَلَى الأول علة لما تضمنه الْجُمْلَة السابقة، وعلى الثاني بالعكس
والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به.