ومن الأمثلة اللطيفة قراءة ابن كثير وأبي عمرو: {إنَّ الذين اتَّقَوْا إذا مَسَّهُم طَيْفٌ من الشيطان تذكَّروا فإذا هم مُبْصرون} [10] . وقرأ الآخرون (( طائف ) )، وحجة من قرأ طَيْفٌ قولُه تعالى قبل هذه الألفاظ: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} ولم يقل (( نازغ ) )، فالميدان الذي نحن فيه إصابةُ الإنسان بخلل عَقَدي أو حسي، والأسلوب القرآني الشائع أسلوبُ وزنِ (( فَعْل ) )نحو (( نَزْغ ) )، أو أسلوب (( فُعْل ) )نحو: {وإذا مَسَّكم الضرُّ} ولم يقل الضار. وفي لغة العرب: (( أصابته نظرةٌ ) )ولا يقال: ناظرة. وقوله (( طَيْف ) )في القراءة يحتمل أن يكون مصدر طاف يطيف طيفاً، ويحتمل أن يكون اسماً مثل الطائف. وهكذا يتحقق في هذه القراءة التناسق بين الآيتين في مجال الموضوع الواحد: ينزغَنَّك نَزْغٌ ومَسَّهم طَيْفٌ، وهذا التناسق البديع له طاقة فنية، في أي عمل يكون تَوَخّي الإجادةِ والإبداع فيه واضحاً.
ومن أمثلة تحقيق التناسق مع إصابة غرض معنوي آخر قراءةُ أبي عمرو {يوم نَنْفُخُ في الصور ونحشر المجرمين يومئذٍ زُرْقا} [11] وقراءة غيره (( يُنْفَخُ ) )، ففي قراءة أبي عمرو أخبر الله عز وجل عن نفسه على أن يكون آمراً بذلك النفخ، كما يقول السلطان: نحن نكتب إلى فلان، ومعناه نأمر أحد أعواننا بالكتابة، لا أنه يتولَّى الكتابة بنفسه. وقد أجمع القراء على لفظ الجمع في قوله (( ونحشر ) )فحققت قراءةُ أبي عمرو الاتساقَ بين ننفخ ونحشر فيكون الكلام على منظومةٍ واحدة. أما الغرض المعنوي الذي يتحقق في قراءة (( ننفخُ ) )فهو المهابة والجلالة، حيث أسند ربنا عز وجل الفعل إلى نفسه؛ لتحقيق هذه الرهبة المقصودة، حيث يُشْعر الفعل (( ننفخ ) )بأن الله يتولى مسألة الإشعار ببَدء الوقت المعلوم. فيا ويلَ المجرمين الزرق، الذين ينتظرون مصيرهم المحتوم.
والأمثلة كثيرة متعددة.
وننتقل الآن إلى جانب آخر من الملامح البلاغية المعبرة في القراءات القرآنية، وهو اشتمال إحدى هذه القراءات على بُعْدٍ معنوي هادف. وإذا تلقى القلب البصير المنظومة البيانية التي تشتمل على أكثر من غرض ازداد إعجابه بما يتلقى.