قرأ ابن عامر: {أأذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذابَ الهُون} [12] فالفعل بهمزتين: أأَذهبتم، الأولى همزة الاستفهام التوبيخي، والثانية همزة الفعل المسماة بهمزة القطع، والمعنى: أأذهبتم طيباتكم، وتلتمسون الفَرَجَ، فأنى لكم هذا؟ وقرأ الباقون (( أذهبتم ) )على الخبر. إن الجزاء الحق في هذا الوقت العصيب ذو ألوان، منه عذاب حي، حيث تشوَى أجسامهم بنار الله الموقدة، ومنه عذاب معنوي، متمثِّل في هذه اللذعات والقوارص التوبيخية، التي يحملها بين طياته هذا الاستفهام الموجع: أأذهبتم طيباتكم، ويُعْرَضُ هذا الاستفهام التوبيخي بصفة أسلوب الخطاب المباشر، فتكون هذه القراءة قد جمعت لهم بين العذابين: الحسي والمعنوي، فيتضاعف العذاب والألم وتتسع دائرتهما.
ومن قبيل أن تحمل القراءة القرآنية بني طياتها بُعْداً آخر ومنحى ثانياً قراءة حمزة: {وجَعَلنا قلوبَهم قَسِيِّة} [13] وقرأ الآخرون (( قاسية ) ). و (( قَسِيَّة ) )على وزن فعيلة، وهي صيغة مبالغة، فمثلاً لفظة (( عليم ) )تحمل شحنة أكثر مما تحمله عالم، وكذلك (( قَسِيّ ) )تحمل أكثر من قاسٍ. فقراءة حمزة تشتمل على ما في قراءة الجمهور من صفة القسوة، وإذا قسا القلب فإن بشاشة الإيمان تخبو. وبما أن الضمير (( نا ) )في (( جعلنا ) )يعود على رب العزة والجلال فإنه سبحانه يقول: (( وجَعَلْنا ) )وهو يرى من بعض صنوف عباده تصرفاً لا يُرضيه، فيقدر لهم من أسباب العقاب ما يستحقونه، وقسوةُ القلب ضرب من هذا العقاب، الذي انتهى بهم إلى الويل. وهذا السياق يناسب صيغ المبالغة، التي عدَّد الصرفيون منها فعيل. فقلوبهم جعلها الله قَسِيَّة بسبب طغيانهم، فهي أكثر من قاسية.
وثمة فَهْمٌ آخر لهذه القراءة، يذكره الإمام أبو زنجلة في كتابه (( الحجة ) ) [14] وهو أن معنى القسيَّة: هي التي ليست بخالصةِ الإيمان، أي قد خالطها كفر، فهي فاسدة، ولهذا قيل للدراهم التي خالطها غش: قَسِيَّة.