وقد تأتي القراءة القرآنية معتمدة على لفظ معين، يفيد تعداد المسائل التي نزلت الآية لتعبر عن مدلولها ووقائعها. فقد قرأ حمزة والكسائي {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كثير ومنافعُ للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [15] ، ما السر في لفظة (( كثير ) )في هذه القراءة من قوله: إثم كثير؟ أود الآن أن استذكر قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ} [16] . فهذه الآية تعدد ضروباً من الإثم الذي سبَّبه الخمر والميسرُ هي: الإيقاع في العداوة والبغضاء، والصدُّ عن ذكر الله، والصدُّ عن الصلاة، فهي إذاً أشياء كثيرة متعددة، ومن هنا جاء الوصف: إثم كثير، والإثم هنا ويُراد به الآثام الكثيرة، فهو واحد في اللفظ ومعناه الجمع، ويدل على ذلك قوله تعالى: {ومنافعُ للناس} ، في مقابل إثم كثير، ومن هنا حَسُنَ أن يوصف الإثم بالكثير في قراءة حمزة والكسائي. أمَّا لماذا أجمعوا على قراءة {وإثمهُما أكبرُ من نَفْعِهما} بالباء؟ فالجواب أن الأول في قوله (( إثم كثير ) )بمعنى الآثام. وأمَّا الثاني في قوله {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} فلفظه ومعناه بالإفراد، يدلُّ على ذلك أنه أتى بالنفع بعده موحداً فقال: أكبر من نفعهما، في حين أتى به قبلاً مجموعاً فقال: {ومنافعُ للناس} ولا عجب من هذه المنظومة الدقيقة المنتقاة؛ فهي من لدن حكيم بصير.