وصور التلاؤم الصوتي والتناسب اللفظي في القراءات القرآنية كثيرة. ومن المعلوم أن هذه الألوان مما ترتاح إليه النفس العالمة بأسرار الفن التعبيري، ومفاتيح الجمال، التي تشارك في رونق الاداء وطلاوته، وذلك لأنها تعنى بتنظيم الألفاظ والجمل والنظم على نحوٍ هندسي، يحقق المزاوجة، ويراعي التساوق، فتتلو الآية الكريمة وأنت تحس بأن الكلمة كالطائر الجميل، الذي يعرف أين يحلق؟ ومتى؟ وأين يستقر؟ على نحو معجب رائق.
ومن أمثلة ذلك قراءة حمزة والكسائي وابن عامر: {إنِ الحكُم إلا الله يقضي الحق وهو خير الفاصلين} [7] . وقرأ الباقون (( يقصُّ الحق ) )و (( يقضي ) )مِنْ قضى يقضي إذا حَكَمَ وفَصَلَ، لمراعاة قوله (( وهو خير الفاصلين ) )لأنَّ الفصل عادة يكون في ميدان القضاء، واتخاذ الأحكام، وبهذا يكون ثمة تناسق بين صدر الآية وآخرها؛ حيث إنها بدأت بقضاء الحقوق المشروعة من قبل الله عز وجل، وانتهت بالثناء على خير قاضٍ في ميدان القضاء، فليس الحكم الحق المَقْضِيّ إلا لله، وهو خير مَنْ يفصل في الحقوق. فيكون بين أيدينا لفظتان متساوقتان: (( يقضي ) )، و (( الفاصلين ) )، وذلك في سياق الحكم الذي بدأت به الآية، وبذلك تكون الألفاظ منتقاة تسير على منوال واحد. ومن أمثلة الألفاظ المتناسقة بناء وصياغة في القراءات المتواترة قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو {فالقُ الإصباح وجاعلُ الليل سكناً} ، وقرأ الباقون {وجَعَلَ الليلَ سكناً} " [8] ."
فقراءة نافع ومَن معه من أئمة القراءة (( وجاعلُ الليل ) )مبنية على قوله في صدر الآية {فالق الإصباح} فأجرى (( جاعلُ الليل ) )على لفظ ما تقدَّمه، إذ أتى في سياقه، فالله عز وجل خالقٌ فجاعلٌ، فهذا تناسق في البناء والصياغة يوحي بالهندسة اللفظية المنظمة، ولا سيما أنَّ مجالَ القدرة والإبداع مجالٌ واحد، وهو المجال الكوني في الأفلاك العلوية. قال الإمام مكي بن أبي طالب [9] (( ويقوي ذلك أن حكم الأسماء أن تُعْطف عليها أسماء مثلها، فكان عطف فاعِل على فاعلٍ ) )ومرةً أخرى أذكِّر بنهج هذا البحث في عدم تفضيل قراءة على قراءة بحيث يتعدَّى على قَدْر قراءةٍ متواترة، ولكنها محاولة في فَهْم أسرار كل قراءة على حِدة.