فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 354292 من 466147

وقرأ أبو عمرو: {وما نراك اتَّبعك إلا الذين هم أراذلُنا بادئَ الرأي} [6] منْ بَدَأت بكذا، ومعناها: أوَّلَ الرأي. وقرأ غير أبي عمرو (( باديَ ) )من غير همزٍ، من بدا يبدو، أي: ظهر. والمعنى على قراءة أبي عمرو: أن قوم نوح قالوا له: ما نراك اتبعك إلا أراذلُنا في بادئ رأيهم، من غير أن يتأمَّلوا أمرك أو يتدبَّروه؛ لأنهم إنْ فكَّروا في دينك تردَّدوا في اتباعك. والمعنى على قراءة الجماعة: اتبعوك في ما ظهر لهم من آرائهم. وفي ضوء قراءة أبي عمرو ينقل لنا القرآن الكريم موقف قوم نوح على طريقته في التصوير الفني الدقيق. فهم قوم عمَّهم الغيظ، وشحنَتْهم البغضاء، فكانوا يختلقون الأكاذيب والإشاعات على هذا النبي الكريم؛ ليقللوا من شأن دعوته، ويزهِّدوا الناس فيها. فمَنْ أولئك الذين اتبعوه؟ إنهم أولاً أراذل القوم وسفلتهم، وهم ثانياً اختاروا طريقتك يا نوح، من غير أن يتقدموا نحو أغوار الفكر والتأمل أشواطاً بعيدة، فرأيُهم إنْ كان فطيراً فلا عجب يا نوح؛ لأنهم لم يجربوك ولم يَخْبَرُوك، وكثيراً ما يتهم الإنسان بصره الحسي، عندما يفتحه بعد رقاد طويل؛ فإذا ما تأمَّل المشهد ووعى عرف الحقيقة.

وكثيراً ما يندم المرء على قرار اتخذه ولكنه يعترف أنه قرار مبني على بادئ الرأي. ولقد علقَتْ أفكارهم بدعوتك من الوهلة الأولى فحسب، من غير سابق تجربة، وأساسِ فهم ورويَّة. ومن المعلوم أن القراراتِ التي يتخذَها الرجل من غير نظرة كلية شاملة قراراتٌ سريعة فطيرة. وعندي أن ثمة مذاقاً في هذه القراءة يختلف عن مذاق القراءة الثانية؛ لأن قراءة غير أبي عمرو معناها اتبعوك في ظاهر رأيهم. وفرقٌ بين الإنسان عندما يعطي قراءة بعدما شهده من ظاهر الأمور التي يتعامل معها، وبين القرار السريع الخفيف. فالحكم المبني على الظاهر قد يستدعي التأمُّلَ في هذا الأمر الظاهر، كما يستدعي تقليب وجهات النظر والتشاور مع الآخرين، وهذا لا يتوافر في القرار المبني على بادئ الرأي، وسياقُ الآية سياق ذم وحقد وبغضاء وهذا الجانب تكشفه قراءة أبي عمرو التي تستوعب هذه الانفعالات النفسية، وهي تتكامل مع القراءة الأخرى التي تكشف جانباً آخر من انفعالاتهم النفسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت