من هذه النماذج التي اختَرْتُها، قراءة حمزة [3] {فلا تعلم نفس ما أَخْفِيْ لهم مِنْ قُرّة أَعْين} حيث ورد الفعل مستقبلاً، وربنا عز وجل يخبر بهذا الفعل عن نفسه. وقرأ باقي القراء بالفعل الماضي المبني للمجهول (( أُخْفِيَ لهم ) ). يلاحظ البلاغيون أن الفعل المضارع ينطوي على حياة ورونق. فهو من ناحية يُشْعِر بالحركة المتجددة من صنوف النعيم المخبوء. ففي كل يوم من أيام القيامة يكشف الله عز وجل عن خفاء، وما يكشفه اليوم غيرُ ما يكشفه غداً. وتبقى النفس المؤمنة تطمع في المزيد؛ لتُرْوِيَ غليلها، بما يخفيه لها ربُّها عز وجل، من أَطايبَ ونفائس، فتقَرَّ عينُها بذلك المَخْفيّ المتجدد المستمر في عطائه الجزيل. ومن ناحية ثانية يحقق الفعل المضارع (( أُخفيْ ) )انسجاماً مع الفعل المضارع الذي قبله، المتصل به، وذلك لأن قراءة حمزة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ} فيكون ثمة توافق بين المضارع الأول (( ينفقون ) )والمضارع الثاني (( أُخْفِي ) )كما يكون ثمة جزاء مستمر متجدد في نسيج المضارع، ذي الفعل الربَّاني (( أُخْفِيْ ) )في مقابل المضارع ذي الفعل البشري (( ينفقون ) ). ومن ناحية ثالثة: يقوي إخبار الله تعالى عن نفسه، أن قبله إخباراً عنه سبحانه في قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَِمْلَأَنَّ} [4] وفي قوله: (( إِنَّا نَسِينَاكُمْ ) )وفي قوله: (( بِآيَاتِنَا ) )فكلُّ هذا إخبارٌ من الله عن نفسه، فجرى ما بعده عليه.