وأما قوله تعالى: {وتَمَّت كلمات ربّك صدقاً وعدلاً} [الأنعام: 115] فالتمام هنالك بمعنى التحقق والنفوذ ، وتقدم قوله تعالى: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} في سورة الأنفال (7) .
وقد نُظمت هذه الآية بإيجاز بديع إذ ابتُدئت بحرف {لو} فعلم أن مضمونها أمر مفروض ، وأن ل {لو} استعمالات كما حققه في"مغنى اللبيب"عن عبارة سيبويه.
وقد تقدم عند قوله تعالى {ولو أسمعهم لتولَّوا وهم معرضون} في سورة الأنفال (23) .
{ومن شجرة} بيان ل {ما} الموصولة وهو في معنى التمييز فحقه الإفراد ، ولذلك لم يقل: من أشجار.
والأقلام: جمع قلَم وهو العود المشقوق ليرفع به المداد ويكتب به ، أي: لو تصير كل شجرة أقلاماً بمقدار ما فيها من أغصان صالحة لذلك.
والأقلام هو الجمع الشائع لقلَم فيرَد للكثرة والقلة.
و {يَمّده} بفتح الياء التحتية وضم الميم ، أي: يزيده مِداداً.
والمداد بكسر الميم الحِبر الذي يُكتب به.
يقال: مَد الدَّوَاةَ يمدُها.
فكان قوله {يمده} متضمناً فرض أن يكون البحر مداداً ثم يُزاد فيه إذا نشف مدادُه سبعةُ أبحر ، ولو قيل: يُمده ، بضم الميم من أمد لفات هذا الإيجاز.
والسبعة: تستعمل في الكناية عن الكثرة كثيراً كقول النبي صلى الله عليه وسلم"والكافر يأكل في سبعة أمعاء"فليس لهذا العدد مفهوم ، أي والبحر يمده أبحر كثيرة.
ومعنى {ما نفدت كلمات الله} ما انتهت ، أي: فكيف تحسب اليهود ما في التوراة هو منتهى كلمات الله ، أو كيف يحسب المشركون أن ما نزل من القرآن أوشك أن يكون انتهاء القرآن ، فيكون المَثل على هذا الوجه الآخر وارداً مورد المبالغة في كثرة ما سينزل من القرآن إغاظة للمشركين ، فتكون {كلمات الله} هي القرآن ، لأن المشركين لا يعرفون كلمات الله التي لا يحاط بها.