وكأن في الآية إشارة إلى أنهم كما اقرُّوا لله تعالى بخَلْق السماوات والأرض ينبغي أنْ يُقروا كذلك بأن له سبحانه ما فيهما ، وهذه مسألة عقلية يهتدي إليها كل ذي فكر سليم ، فما دامت السماوات والأرض لله ، فله ما فيهما ، وهَبْ أن لك قطعة أرض تمتلكها ، ثم عثرتَ فيها على شيء ثمين ، إنه في هذه الحالة يكون مِلكك شرعاً وعقلاً .
وينبغي للعاقل أنْ يتأمل هذه المسألة: لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض ، ومن هذه الأشياء الإنسان الذي كرَّمه الله ، وجعله سيداً لجميع المخلوقات وأعلى منها ، بدليل أنها مُسخَّرة لخدمته: الحيوان والنبات والجماد ، فهل يصح أن يكون الخادم أعظم من سيده أو أطول عمراً منه؟
فعلى العاقل أن يتأمل هذه المسألة ، وأن يستعرض أجناس الكون ويتساءل: أيكون الجماد الذي يخدمني أطول عمراً مني؟
إذن: لا بد أن لي حياة أخرى تكون أطول من حياة الشمس والقمر وسائر الجمادات التي تخدمني ، وهذا لا يكون إلا في الآخرة حيث تنكدر الشمس ، وتتلاشى كل هذه المخلوقات ويبقى الإنسان .
إذن: أنت محتاج لما في الأرض ولما في السماء من مخلوقات الله ، وبه وحده سبحانه قوامها مع أنه سبحانه غنيٌّ عنها لا يستفيد منها بشيء ، فالله سبحانه خلق ما هو غنيٌّ عنه ؛ لذلك يقول: {إِنَّ الله هُوَ الغني الحميد} [لقمان: 26] لأنه سبحانه بصفات الكمال خلق ، فلم يزِدْه الخلق صفة كمال لم تكُنْ له ، فهو مُحْيٍ قبل أنْ يوجد مَنْ يُحييه ، مُعِزٌّ قبل أنْ يوجد من يعزه .
وقلنا: إنك لا تقول فلان شاعر لأنك رأيته يقول قصيده ؛ بل لأنه شاعر قبل أن يقولها ، ولولا أنه شاعر ما قال .