{إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} قال ابن عباس: يريد من حقيقة الإيمان.
وقال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها.
وقال الكلبي: إن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور. فعلى قول ابن عباس ومقاتل: ذلك، إشارة إلى الصبر. وعلى القول [قول] الكلبي إشارة إلى الأمر والنهي. والصحيح أن ذلك إشارة إلى جميع ما ذكره قبله من الأمر والنهي والصبر. وذكرنا بيان هذه المسألة عند قوله {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] . وهذه الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المكروه وإن أصابه فيهما وفي هذا دليل أن خوف المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف، إلا أن يخاف مكروهًا لا يطيقه ولا يحتمله.
18 -وقوله: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} وقرئ: تصاعر. قال أبو الحسن: لا تصاعر لغة أهل الحجاز، ولا تصعر لغة بني تميم، والمعنى فيه لا تتكبر على الناس، ولا تعرض عنهم تكبرًا عليهم.
قال أبو عبيدة: (أجل هذا من الصعر الذي يأخذ الإبل في رءوسها وأعناقها) . فكأنه يقول: لا تعرض عنهم ولا تزور كازورار الذي به هذا الداء، الذي يلوي منه عنقه ويعرض بوجهه، ومثل ذلك قوله:
يهدي إلى حياة ثاني الجيد.
وقال أبو علي: (يشبه أن يكون لا تصعر ولا تصاعر بمعنى، كما قال سيبويه في ضعف وضاعف) .
قال أبو إسحاق: أما تصعر فعلى وجه المبالغة، وتصاعر على تفاعل كأنك تعارضه بوجهك.
وقال المفضل: يقال للذي يفعل ذلك ومن صعر خده وصاعر. وأنشد للمتلمس:
وكنا إذا الجبار صاعر خده ... أقمنا له من درأه فيقوما
قال ابن عباس: يريد ولا تتعظم على خلق الله.
وقال مقاتل: لا تعرض بوجهك تكبرًا عن فقراء المسلمين إذا كلموك.
وروى ابن أبي نجيح ومنصور عن مجاهد قال: هو الصدود والإعراض بالوجه عن الناس، كالرجل بينه وبين أخيه إحنة فيراه فيعرض عنه.