ولما نبهه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب ، أمره مما يدخره لذلك توسلاً إليه ، وتخضعاً لديه ، وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه ، فقال: {يا بني} مكرراً للمناداة على هذا الوجه تنبيهاً على فرط النصيحة لفرط الشفقة {أقم الصلاة} أي بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها ، سعياً في نجاة نفسك وتصفية سرك ، فإن إقامتها - وهي الإيتان بها على النحو المرضي - مانعة من الخلل في العمل {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} لأنها الإقبال على من وحدته فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم ، ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثانية التوحيد ، وترك ذكر الزكاة تنبيهاً على أن من حكمته تخليه وتخلي ولده من الدنيا حتى مما يكفيهم لقوتهم.
ولما أمر بتكميله في نفسه بتكميل نفسه توفية لحق الحق ، عطف على ذلك تكميله لنفسه بتكميل غيره توفية لحق الخلق ، وذلك أنه لما كان الناس في هذه الدار سفراً ، وكان المسافر إن أهمل رفيقه حتى أخذ أوشك أن يؤخذ هو ، أمره بما يكمل نجاته بتكميل رفيقه ، وقدمه - وإن كان من جلب المصالح - لأنه يستلزم ترك المنكر ، وأما ترك المنكر فلا يستلزم فعل الخير ، فإنك إذا قلت: لا تأت منكراً ، لم يتناول ذلك في العرف إلا الكف عن فعل المعصية ، لا فعل الطاعة ، فقال: {وأمر بالمعروف} أي كل من تقدر على أمره تهذيباً لغيرك شفقة على نفسك بتخليص أبناء جنسك.
ولما كانت هذه الدار سفينة لسفر من فيها إلى ربهم ، وكانت المعاصي مفسدة لها ، وكان فساد السفينة مغرقاً لكل من فيها: من أفسدها ومن أهمل المفسد ولم يأخذ على يده ، وكان الأمر بالمعروف نهياً عن المنكر ، صرح به فقال: {وانه} أي كل من قدرت على نهيه {عن المنكر} حباً لأخيك ما تحب لنفسك ، تحقيقاً لنصيحتك ، وتكميلاً لعبادتك ، لأنه ما عبد الله أحد ترك غيره يتعبد لغيره ، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى: