والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً ، فإذا لم يكُنْ للأب الحقيقي وجود ، فالأبوة لمن ربَّى ، وله نفس حقوق الأب من حيث الشكْر والبر والمودة ، بل ينبغي أن يكون حقُّه مضاعفاً ؛ لأن في الأب الحقيقي عطف البُضع على البُضع ، وفي الأب المربِّي عطف الدين على الدين ، وهذه مسألة أخرى غير مجرد الأبوة .
لكن ، هل شكر الله أولاً دُرْبة على أنْ تشكر الوالدين ، وهما السبب المباشر في وجودك؟ أم أن شكرَ الوالدين دربةٌ على أن تشكر الله الذي خلقك وأوجدك؟ نقول: هما معاً ، فشُكْر الله يستلزم شكْر الوالدين ، وشكر الوالدين ينتهي إلى شُكْر الله .
وقوله: {إِلَيَّ المصير} [لقمان: 14] أي: المرجع ، والمعنى: أنني أوصيك بأهم شيء فاحذر أنْ تخالف وصيتي ؛ لأنني أقدر على أنْ أعاقب مَنْ خالف .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن ...} .
يؤكد الحق سبحانه على أمر الوالدين ، وكأنه سبحانه استدرك غير مُستدَرك ، فليس لأحد أنْ يستدرك على الله ، وكأن واحداً كان يناقش رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الوالدين وما نزل في شأنهما ، فسأل: كيف لو أمراني بالكفر ، أأكفر طاعة لهما؟ لذلك جاء الحكم من الله في هذه المسألة .
وفي آية العنكبوت: {وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8]
فذكر فيها (حُسنْاً) ولم يقل فيها {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً} [لقمان: 15] فكأن كلمة الحُسْن ، وهي الوصف الجامع لكلِّ مدلولات الحُسْن أغنتْ عن المصاحبة بالمعروف .