هذا [مذهب] الكسائي والليث والأزهري، واختاره المصنف لأن معنى مأخذ الاشْتقَاق وهو الألوكة
متحققة فيهم مع إشعار التعظيم بأنهم رسل اللَّه تَعَالَى دون ما اختاره ابن كيسان، وإن كان
معنى الْقُوَّة والشدة يعم الْمَلَائكَة، وشتان ما بين المَعْنَيَيْن، فلا جرم أنه يحتاج إلَى القلب
وأنكر بعضهم القلب وجعله من لاك بمعنى أرسل، ولما لم يشتهر لاك بمعنى أرسل اشتهار
الألوكة لم يرض به المصنف ولم يلتفت إليه، ولا ينافي القلب قوله عَلَى الأصل؛ إذ مراده بقوله
على الأصل كون همزته أصلية فلا يضره القلب. وقيل لأن أصله مألك حِينَئِذٍ ولو جمع لقيل
مألك كمأدب لكنه بعد القلب صار أصلًا ثانيًا له، ولا يخفى بعده.
قوله: (لأنهم وسائط بين الله وبين النَّاس، فهم رسل الله) إشَارَة إلَى جواب ما قيل إن
معنى الشدة والْقُوَّة تعم الْمَلَائكَة كلهم وكفاك قَوْلُه تَعَالَى:(يُسَبّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا
يَفْتُرُونَ)وأما الرسالة فلا لقَوْله تَعَالَى(يَصْطَفي منَ الْمَلَائكَة رُسُلًا وَمنَ
النَّاس)الآية. فالراجح مسلك ابن كيسان. وأَشَارَ إلَى جوابه بقوله لأنهم أي
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
زائدة. قال ابن كيسان الهمزة زائدة وهو من ملك لدورانه مع الْقُوَّة والشدة في مالك وملك وملك
وملك العجين إذا شدد عجنه. قال التفتازاني ظَاهر كلام صاحب الكشف أن الهمزة زائدة وأن
اشْتقَاقه من ملك"أقول"لعله أخذ هذا الْمَعْنَى من كلامه حيث شبهه بالشمائل وهمزته زائدة، ورد
باحتمال إرادة الشبه الصورى مع قطع النظر عن زيادة الهجرة وأصالتها. قيل الوجه أن يكون الهمزة
زائدة والميم أصليًا واشْتقَاقه من ملك لأن الملك اسم جنس يعم جميع الْمَلَائكَة لوجود معنى الْقُوَّة
والشدة في جميعهم بخلاف معنى الألوكة فإنه لا يعم الجميع لقَوْله تَعَالَى(يَصْطَفي منَ الْمَلَائكَة
رُسُلًا وَمنَ النَّاس)واعتبار الْمَعْنَى لترجيح تسمية الكل باسم الملك أولى وأصوب
من اعتبار الْمَعْنَى الخاص بعضهم؛ إذ لو كان مرجح التَّسْميَة هذا الْمَعْنَى الخاص أعني معنى الألوكة
لما صح أن يسمى غير الرسل منهم باسم الملك لعدم وجود المرجح فيه فلعل اختيار المصنف القلب
بناء عَلَى الْمَشْهُور بين أئمة اللغة، وإلا فالحق أن يكون من ملك العجين لغموم هذا الْمَعْنَى لكل من
يسمى باسم الملك.
قوله: هم رسل الله أو كالرسل إليهم. كأنه أراد بقوله فهم رسل اللَّه. الرسالة المُتَعَارَفة
الْمَشْهُورَة كرسالة جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ، وبقوله كالرسل الرسالة المُتَعَارَفة لعله أراد بهم العقول
المجردة فإن النفس إذا تزكت من دنس الطبيعة وتطهرت عن الرذائل حصلت لها مناسبة بينها وبين
المجردات واتصلت بهم ولذلك انتقشت بما فيهم من صور العلوم الغيبية فينتقل منها إلَى الْقُوَّة
التخيلية ومنها إلَى الحس المشترك فيرى كالشاهد المحسوس، وربما يعلو ويشتد الاتصال فيسمع
كلام منظوم من مشاهد يخاطبه، وهو الوحي عند الحكماء الْإسْلَامية، فكانت إفاضة العلوم منهم إلَى
نفوس الْأَنْبيَاء عليهم السلام بمنزلة تبليغ الرسل العلوم الْإلَهيَّة عن الله تَعَالَى إلَى العباد فشبهوا من
هذه الجهة بالرسل [ويشبه] أن اختيار القاضي القلب في اسم الملك وكونه من الألوكة بناء عَلَى رأي
الحكماء فإن الْمُرَاد بالْمَلَائكَة عندهم العقول ليس إلا ومعنى الألوكة عام لجميع الْمَلَائكَة عَلَى
الْمَعْنَى الْمَذْكُور، فكون معنى الألوكة مرجحًا لتسمية الجميع باسم الملك عَلَى هذا الْمَعْنَى لوجوده
في جميهم فحِينَئِذٍ تكون اللام للاسْتغْرَاق العرفي كجمع الأمير الصاغة، وأما العهد فليس بمناسب
في مثل هذا المقام.