{قَالُواْ} استئنافٌ وقعَ جواباً عما تنساقُ إليه الأذهانُ كأنه قيل: فماذا قالت الملائكة حينئذ ، فقيل: قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} ؟ وهو أيضاً من الجعل المتعدي إلى اثنين ، فقيل فيهما ما قيل فِي الأول ، والظاهرُ أن الأولَ كلمةُ مَنْ ، والثاني محذوفٌ ثقةً بما ذكر فِي الكلام السابق ، كما حُذف الأولُ ثَمةَ تعويلاً على ما ذكر هنا قال قائلهم:
لا تَخَلْنا على عزائك إنا... طالما قد وشَى بنا الأعداءُ
بحذف المفعول الثاني أي لا تخَلْنا جازعين على عزائك: والمعنى أتجعل فيها من يفسد فيها خليفةً ؟ والظرفُ الأولُ متعلقٌ بتجعلُ وتقديمُه لما مر مراراً والثاني بيُفسِدُ ، وفائدتُه تأكيدُ الاستبعادِ لما أن فِي استخلاف المفسِدِ فِي محل إفساده من البعد ما ليس فِي استخلافه فِي غيره ، هذا وقد جُوِّز كونُه من الجعل بمعنى الخلق المتعدي إلى مفعول واحدٍ هو كلمةُ مَنْ ، وأنت خبير بأن مدارَ تعجُّبِهم ليس خلقَ من يُفسد فِي الأرض ، كيف لا وإن ما يعقُبه من الجملة الحالية الناطقة بدعوى أحقِّيتِهم منه يقضي ببُطلانه حتماً إذ لا صِحَّة لدعوى الأحقية منه بالخلق وهم مخلوقون ، بل مدارُه أن يُستخلف لعمارة الأرض وإصلاحِها بإجراء أحكامِ الله تعالى وأوامرِه أو يُستخلفَ مكان المطبوعين على الطاعة مَنْ مِنْ شأنِ بني نوعِه الإفسادُ وسفكُ الدماء.