وقد ثبت فِي الصحيح (1) : أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون فِي صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه السلام:"يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل"فقولهم: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} وقيل: معنى قوله جوابًا لهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} أن لي حكمة مفصلة فِي خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها ، وقيل: إنه جواب لقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} أي: من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل: بل تضمن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم ، فقال الله تعالى لهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} من أن بقاءكم فِي السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها فخر الدين مع غيرها من الأجوبة ، والله أعلم.
ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه:
قال ابن جرير: حدثني القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين قال: حدثني الحجاج ، عن جرير بن حازم ، ومبارك ، عن الحسن وأبي بكر ، عن الحسن وقتادة ، قالوا: قال الله للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} قال لهم: إني فاعل. وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك.
(1) صحيح مسلم برقم (632) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.