"فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح"... وإنما قيل:"وإن كنتم"دون إذ كنتم لما عرفت فِي تفسير {لا ريب فيه} . وإنما اختير"نزلنا"على لفظ التنزيل دون الإنزال ، لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي ، وذلك أنهم كانوا يقولون: لو أنزله الله لأنزله جملة واحدة {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} [الفرقان: 32] أي على خلاف ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً شيئاً فشيئاً وحيناً فحيناً حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة ، فقيل لهم: إن ارتبتم فِي هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج ، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه ، وهلموا نجماً من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر ، ومعنى السورة مذكور فِي المقدمة الرابعة . وإنما قيل:"على عبدنا"دون أن يقال على محمد كقوله {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد} [محمد: 2] تشريفاً له صلى الله عليه وسلم وإعلاماً بأنه صلى الله عليه وسلم ممن صحح نسبة العبودية المأمور بها فِي قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا} وإضافة العبد إلى الضمير أيضاً تؤيد ذلك كقوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الإسراء: 65] . وفيه أن السعادة كل السعادة فِي نسبة العبدية ، فهي التي توصل إلى العندية {فِي مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر} [القمر: 55] "وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي"وكمال العندية فِي كمال الحرية عما سوى الله . وأما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً ، فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتملت الأنواع على الأصناف ، كان إفراز كل من صاحبه أحسن ، ولهذا وضع المصنفون كتبهم على الأبواب والفصول ونحوها .