ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ فِي آخر ، كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلاً أو طوى فرسخاً ، ومن ثم جزأوا القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً ، ومنها أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيحل فِي نفسه ، ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا . ولهذا كانت القراءة فِي الصلاة بسورة تامة أفضل . و"من مثله"متعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثله ، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا . ويجوز أن يتعلق بقوله"فأتوا"والضمير للعبد معناه ، فأتوا بسورة مما هو على صفته فِي البيان الغريب والنظم الأنيق ، أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يقصد إلى مثل ونظير معين ، ولكنه كقول من قال للحجاج وقد توعده بقوله"لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد ، ولم يقصد أحداً يجعله مثل الحجاج . وردّ الضمير على المنزل أوجه وعليه المحققون . ويروى عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن ، ولأن ذلك يطابق الآيات الأخر {فأتو بسورة مثله} [البقرة: 23] {فأتوا بعشر سور مثله} [هود: 13] ، ولأن البحث إنما وقع فِي المنزل لا فِي المنزل عليه ، إذ المعنى وإن ارتبتم أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله . ولو كان الضمير مردوداً إلى الرسول اقتضى الترتيب أن يقال: وإن ارتبتم فِي أن محمداً صلى الله عليه وسلم منزل عليه ، فأتوا بسورة ممن يماثله . وأيضاً لو كان عائداً إلى القرآن اقتضى أن يكونوا عاجزين عن الإتيان بمثله ، مجتمعين أو متفرقين ، أميين أو قارئين . ولو عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم اقتضى أن يكون الشخص الواحد الأمي الذي هو مثله عاجزاً ، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى ، ولا سيما فإنه يلزم من الوجه الثاني