{ ... إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}
فإن آباءهم كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون.
وقوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} إلخ، تعداد للنعم الرادعة عن الكفر، الباعثة على الإيمان، لتشديد الإنكار والتوبيخ على الكافرين.
ومعنى الآية: كيف تكفرون باللهِ، والحال أَن له شئونا معكم. وشئونا في الكون،
تقتضي اختصاص بالأُلوهية دون سواه، فقد كنتم أمواتا أَي مشبهين لهم، إذ كنتم عناصر
وأغذية، فنطفا ومضغا، فأحياكم بنفخ الأرواح فيكم، ثم بعد احيائكم، هو الذي يميتكم عندانقضاء آجالكم، ثم بحييكم مرة أخرى - عند النفخة الثانية - حياة البعث، ثم إليه وحده تُرْجعُونَ للحساب والجزاء، ومن كان هذا شأْنه فلا يصح الكفر به أو إشراك غيره معه في العبادة!.
وإنما اختلف العاطف في الآية - بالفاء وثم - لأن قوله: {فَأَحْيَاكُمْ} مراد منه الحياة ألأُولى بنفخ الروح، وهي حاصلة عقب كونهم أمواتا. فلذا عطف بالفاء التي هي للترتيب والتعقيب. أَما العطف بثم التي هي للترتيب والتراخي في قوله: {ثُم يمُيتُكُمْ} فلأن المراد بالموت هنا: خروج أَرواحهم بعد إنقضاء آجالهم، وهو متراخ في الزمن عن بدء حياتهم.
وقوله آخر الآية: {ثمَّ يُحْييكُمْ} المراد به: الإحياءُ للبعث، وهو متراخ في الزمن كذلك، لأنه بعد إنقضاءِ فترة البرزخ في القبور.
وقد يقال: الامتنان بهذه النعم ظاهر في الإحياء بعد العدم، فما وجه المنة بقوله: {ثُمَّ يمُيتُكُمْ} وهل في الموت امتنان؟
والجواب: أن الموت هو سبيل الحياة الأبدية بعد البعث. وما كان وسيلة للحياة الخالدة، يصح عده بين النعم. أن هم استجابوا إلى دعوة الحق.
وقد يقال أيضًا: أن المخاطبين من الكفار، وهم لا يعترفون بالبعث والرجوع إلى الله، فكيف ينظم ما ينكرونه في سلك ما يعترفون به؟