ثم بعد أن أمرهم بالأكل من الطيبات أمرهم بالعمل الصالح فقال: {واعملوا صالحا} أي عملاً صالحاً وهو ما كان موافقاً للشرع ، ثم علل هذا الأمر بقوله: {إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} لا يخفى عليّ شيء منه ، وإني مجازيكم على حسب أعمالكم إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشرّ.
{وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة} هذا من جملة ما خوطب به الأنبياء ، والمعنى: أن هذه ملتكم وشريعتكم أيها الرسل ملة واحدة ، وشريعة متحدة يجمعها أصل هو أعظم ما بعث الله به أنبياءه وأنزل فيه كتبه ، وهو دعاء جميع الأنبياء إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وقيل: المعنى إن هذا الذي تقدّم ذكره هو دينكم وملتكم فالزموه على أن المراد بالأمة هنا: الدين ، كما في قوله: {إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءنَا على أمة} [الزخرف: 22] ، ومنه قول النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع
قرئ بكسر:"إن"على الاستئناف المقرّر لما تقدّمه ، وقرئ بفتحها وتشديدها.
قال الخليل: هي في موضع نصب لما زال الخافض ، أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به.
وقال الفرّاء: إن متعلقة بفعل مضمر ، وتقديره: واعلموا أن هذه أمتكم.
وقال سيبويه: هي متعلقة ب {اتقون} ، والتقدير: فاتقون لأن أمتكم أمة واحدة ، والفاء في: {فاتقون} لترتيب الأمر بالتقوى على ما قبله من كونه ربكم المختصّ بالربوبية ، أي لا تفعلوا ما يوجب العقوبة عليكم مني بأن تشركوا بي غيري ، أو تخالفوا ما أمرتكم به أو نهيتكم عنه.
ثم ذكر سبحانه ما وقع من الأمم من مخالفتهم لما أمرهم به الرسل فقال: {فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} والفاء لترتيب عصيانهم على ما سبق من الأمر بالتقوى ، والضمير يرجع إلى ما يدلّ عليه لفظ الأمة ، والمعنى: أنهم جعلوا دينهم مع اتحاده قطعاً متفرّقة مختلفة.