قوله: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض بَعْدَ إصلاحها} قد تقدّم تفسيره قريباً ، ويدخل تحته قليل الفساد وكثيره ، ودقيقه وجليله ، والإشارة بقوله: {ذلكم} إلى العمل بما أمرهم به ، وترك ما نهاهم عنه ، والمراد بالخيرية هنا: الزيادة المطلقة ، لأنه لا خير في عدم إيفاء الكيل والوزن ، وفي بخس الناس ، وفي الفساد في الأرض أصلاً.
قوله: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط تُوعِدُونَ} الصراط: الطريق ، أي لا تقعدوا بكل طريق توعدون الناس بالعذاب.
قيل: كانوا يقعدون في الطرقات المفضية إلى شعيب ، فيتوعدون من أراد المجيء إليه ، ويقولون إنه كذاب فلا تذهب إليه ، كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، ومجاهد ، والسديّ ، وغيرهم.
وقيل المراد: القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها.
وليس المراد به القعود على الطرق حقيقة.
ويؤيده: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءامَنَ بِهِ} وقيل: المراد بالآية النهي عن قطع الطريق ، وأخذ السلب ، وكان ذلك من فعلهم.
وقيل: إنهم كانوا عشارين يأخذون الجباية في الطرق من أموال الناس ، فنهوا عن ذلك.
والقول الأوّل: أقربها إلى الصواب ، مع أنه لا مانع من حمل النهي على جميع هذه الأقوال المذكورة.
وجملة {توعدون} في محل نصب على الحال ، وكذلك ما عطف عليها ، أي لا تقعدوا بكل طريق موعدين لأهله ، صادّين عن سبيل الله ، باغين لها عوجاً ، والمراد بالصدّ {عن سبيل الله} : صدّ الناس عن الطريق الذي قعدوا عليه ، ومنعهم من الوصول إلى شعيب ، فإن سلوك الناس في ذلك السبيل للوصول إلى نبيّ الله هو سلوك سبيل الله ، و {مَنْ ءامَنَ بِهِ} مفعول {تصدّون} ، والضمير في {آمن به} يرجع إلى الله ، أو إلى سبيل الله ، أو إلى كل صراط أو إلى شعيب ، و {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي تطلبون سبيل الله أن تكون معوجة غير مستقيمة ، وقد سبق الكلام على العوج.