أي ما سبقكم أحد من العالمين ، و"أحد"هي الفاعل ، وجاءت"من"لتوضح لنا أنه لم يأت بها أحد ابتداءً ، مثلما قلنا قديماً ، حين تأتي لواحد لتقول له:"ما عندي مال". فأنت قد نفيت أن يكون عندك مال يعتد به . وقد يكون معك من بداية ما يقال له أنه مال ، وقوله الحق: {... مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين} . [الأعراف: 80]
يعني أنه لم يسبقكم أي أحد من بداية ما يقال له أحد ، وسبحانه يريد بذلك أن ينفيها أكثر ، و"من"التي في قوله: {مِّن العالمين} هي تبعيضية أي ما سبقكم بها أحد"من بعض"العالمين . فما هذا الأمر؟ لقد سماها فاحشة ، وهي تزيد في القبح ووصفة لها بأنها لم يأتها أحد من العالمين جعلها مسألة فظيعة للغاية .
لأننا حين نبحث هذه المسألة بحثاً عقلياً نجد أن الإنسان مخلوق كخليفة في الأرض وعليه استبقاء نوعه ؛ لأن كل فرد له عمر محدود ، ويخلف الناس بعضهم بعضاً ، ولابد من بقاء النوع ، وقد ضمن الله للإنسان الأقوات التي تبقيه ، وحلل له الزواج وسيلة لإبقاء النوع ، ومهمة الخلافة تفرض أن يخلف بعضنا بعضاً .
وكل خليفة يحتاج إلى اقتيات وإلى إنجاب . و"الاقتيات"خلقه الله في الأرض التي قدر فيها أقواتها .
والنوع البشري جعل منه سبحانه الذكر والأنثى ومنهما يأتي الإنجاب الخلافي ؛ فهو محمول أولاً في ظهر أبيه نطفة ، ثم في أمه جنيناً ثم تضعه لترعاه مع والده ويربيه الاثنان حتى يبلغ رشده . وهذه خمس مراحل ، وكل مرحلة منها شاقة ، فحمل الأم في الطفل تسعة شهور هو أمر شاق ؛ لأن الإِنسان منا إن حمل شيئاً طوال النهار سيصاب بالتعب ، لكن الأم تحمل الجنين تسعة أشهر ، وأراد الله أن يكون الحمل انسيابياً بمعنى أن الجنين في نشأته الأولى لا يبلغ وزنه إلا أقل القليل ، ثم يكبر بهدوء وبطء لمدة تسعة شهور حتى يكتمل نموه .