أقول ذلك لننتبه إلى دقة أداء القرآن ، فمع أن القصص واحد فسبحانه يضع لنا التمييز الدقيق ، ولم يقل لهم لوط: إن ربي نهاكم عن هذه العملية القذرة وهي إتيان الرجال . بل أراد أن يستفهم منهم استفهاماً قد يردعهم عن العملية ويقبحها .
وكان استفهام سيدنا لوط هو استفهام تقريع ، واستفهام إنكار ، فلم يقل لهم: إن ربنا يقول لكم امتنعوا عن هذا الفعل ، بل يستنكر الفعل كعمل مضاد للفطرة ، واستنكار فطري . {... أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين} [الأعراف: 80]
وهذا يدل على أنه يريد أن يسألهم سؤالاً إنكاريًّا ليحرجهم ، لأن العقل الفطري يأبى هذه العملية: {أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين} .
أي أن هذه المسألة لم تحدث من قبل لأنها عملية مستقذرة ؛ لأن الرجل إنما يأتي الرجل في محل القذارة ، لكنهم فعلوها ، وهذا الفعل يدل على أنها مسألة قد تشتهيها النفس غير السويَّة . ولكنها عملية قذرة تأباها الفطرة السليمة .
وكلمة"فاحشة"تعطينا معنى التزيد في القبح ؛ فهي ليست قبحاً فقط ، بل تَزَيُّدٌ وإيغال وتعمق في القبح ومبالغة فيه ؛ لأن الفاحشة تكون أيضاً إذا ما أتى الرجل أنثى معدة لهذه العملية لأنه لم يعقد عليها ، ولم يتخذها زوجا ، وعندما يتزوجها تصير حِلاًّ له ، لكن إتيان الذكر للذكر هو تزيد في الفحش .
وإذا كان هذا الأمر محرماً في الأنثى التي ليست حلالاً له ويعد فاحشة ، فالرجل غير مخلوق لمثل هذا الفعل ولا يمكن أن يصير حلالاً ، يكون إتيانه فاحشة بمعنى مركّب . {... أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين} [الأعراف: 80]
وقلنا من قبل: إن"من"قد تأتي مرة زائدة ، ويمكنك أن تقول إنها زائدة في كلام الإنسان ، لكن من العيب أن تقول ذلك في كلام ربنا . وقوله: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين} .