فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 995

الفتوى رقم: 947

السؤال:

هل بعد إلقاء السلام على الحاضرين يبتدئ المسلِّم في المصافحة بالأيمن أم بالأكبر؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فظاهر النصوص الحديثية الواردة في باب الآداب تدلُّ على أنَّ وصف السِّنِّ مُعتبَرٌ في التقديم في وجوه الإكرام والآداب لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ» (1) ، أي: أمرني عن الله تعالى بأن أُقدِّم الأكبر في السِّنِّ، وهو على الحقيقة، أمَّا الكُبر المعنوي كالكبير في العلم فهو على المجاز، والحقيقة مُقدَّمة على المجاز، ويدلُّ عليه حديث القسامة في أنَّ عبد الرحمن بن سهل ذهب ليتكلَّم قبل صاحبيه وكان أصغر القوم، فقال له رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «كَبِّرْ» (2) ، يريد الكُبْرَ في السِّنِ (3) ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلاَنِ فَأُوحِيَ إِلَيْهِ: أَنْ كَبِّرْ: أَعْطِ السِّوَاكَ الأَكْبَرَ» (4) .

فإذا ثبت منصوصًا تقديم ذي السِّنِّ في الكلام والسِّواك فيَطَّرِدُ ذلك في جميع وجوه الإكرام، بما في ذلك المصافحة إلاَّ ما استثناه الدليلُ، كإمامة الصلاة فإنه يُقدَّم فيها أقرؤُهم لكتاب الله، لقوله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإِنْ كَانُوا في القِرَاءَةِ سَوَاء فَأَعْلَمَهُمْ بِالسُنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا في السُنَّةِ سَوَاء، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاء، فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا» (5) ، وفي أدب الإسقاء يبتدئ الساقي باليمين، ولو لم يكن بكبير القوم لقوله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «الأَيْمَنُ فَالأَيْمَنُ» (6) ، وفي رواية: «الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ، أَلاَ فَيَمِّنُوا» (7) .

قال المناوي -رحمه الله- في معرض شرح حديث: «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ» : «وفيه أنَّ السِّنَّ من الأوصاف التي يُقدم بها، فيستدل به في أبواب كثيرة من الفقه سيما في مورد النص وهو الإرفاق بالسواك ثمَّ يطرد في جميع وجوه الإكرام، كركوب وأكلٍ وشربٍ وانتعالٍ وطيبٍ ومحلّه ما إذا لم يعارض فضيلة السِّن أرجح منها، وإلاَّ قُدِّم الأرجح كإمامة الصلاة والإمامة العُظمى وولاية النكاح وإعطاء الأيمن في الشرب، ولا منافاة بين ذلك والحديث؛ لأنه لم يدل على أنَّ السِّنَّ يُقدم به على كُلِّ شيء بل إنه شيء يحصل به التقديم» (8) .

قلت: ويُقدَّم عموم تقديم الأكابر لكثرة أفراده في حسن المعاملة والإكرام، ولا ينافي العمل بعموم اليمين في مورد النصِّ، وفي المصافحة إذا تقارب المسلَّم عليهم في السِّن، أو لم يظهر له الكبير في المجلس، أو كان الكبير عن يمينه، ونحو ذلك.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 10 شوال 1429ه

الموافق ل: 10 أكتوبر 2008م

1-أخرجه أبو بكر الشافعي في «الفوائد» : (9/97/1) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في «مسنده» : (6191) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» : (173) ، بلفظ: «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ» . والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» : (4/74) .

2-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الجزية والموادعة، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال: (3002) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب القسامة: (4342) ، من حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه.

3-قال النووي في «شرح مسلم» (11/146) : «وقوله: الكُبْر في السن، معناه: يريد الكبر في السن، والكبر منصوب بإضمار يريد ونحوها» .

4-أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الطهارة، باب في الرجل يستاك بسواك غيره: (50) ، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث حسَّنه ابن حجر في «فتح الباري» : (1/357) ، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» : (4/76) .

5-أخرجه مسلم «صحيحه» كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة: (1532) ، وأبو داود «سننه» كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة: (582) ، والترمذي في «سننه» كتاب الصلاة، باب ما جاء من أحق بالإمامة: (235) ، من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.

6-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب المساقاة والشرب، باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته: (2225) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما على يمين المبتدئ: (5282) ، من حديث أنس رضي الله عنه.

7-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الهبة وفضلها، باب من استسقى: (2432) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما على يمين المبتدئ: (5291) ، إلاَّ أنه ذكر في الثالثة أيضَّا «الأيمنون» ، كلاهما من حديث أنس رضي الله عنه.

8- «فيض القدير» للمناوي: (2/193) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت