الفتوى رقم: 403
السؤال: ما حكم الصلاة في مسجد به قبر بساحته من جهة القبلة، ولا يفصل بينهما سوى حائط المسجد؟
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فعلى نحو ما تقرَّر أنه لا يجتمع في دار الإسلام قبر ومسجد والطارئ على أحدهما يزال، فإن كان المسجد طرأ على القبر يزال، وإن كان القبر طرأ على المسجد يزال القبر، فقد ورد الحديث في ذلك صريحا في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:« أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ" (1) ، ولا يختلف أهل العلم لمن جاء المسجد الذي يوجد فيه قبر إذا صلى لأجل التبرك بالقبر، أو اعتقاد أنَّ للمسجد زيادة فضل بزيادة بركة المقبور أنَّ الصلاة تبطل قولًا واحدًا من أهل العلم جميعًا، غير أنهم يختلفون فيمن صلى ولم تقترن بنفسه في تعلق القبر محبةٌ وتيمنٌ وبركةٌ، أي خلا قلبه من ذلك، فعلى مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي أنَّ الصلاة تصح مع الكراهة، وتزداد الكراهة كلما كان القبر باتجاه المسجد ذلك لأنَّ مالكا رحمه الله على مذهبه أنه تجوز الصلاة مع الكراهة في المقبرة، وحمل النهي الوارد عنها في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:« وَجُعِلَتْ لي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (2) فحمل النهي الذي عنده للتحريم واقتضائه الفساد على الكراهة وعدم البطلان ولوجود الدليل السابق، وإذا كانت الصلاة تصح في المقبرة مع الكراهة فتصح أيضا في نفس الحكم في المسجد بني على قبور أو فيه قبور، ومذهب الإمام أحمد أنه لا تصح الصلاة في مسجد على قبور حسما لمادة الشرك، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« لاَ
تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلاَ تُصَلُّوا إِلَيْهَا" (3) فالنهي يقتضي الفساد والبطلان، ولأنه لا تصح الصلاة في المقبرة على مذهب الإمام أحمد لأنَّ الحديث:"وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ" (4) عام في كلِّ مكان وخصص منه المقبرة والحمام، وغيرها من المخصصات فدلَّ ذلك على عدم جواز الصلاة في المقبرة عملًا بالجمع بين الدليلين، وهذا والجمع أولى من الجمع بصرف النهي إلى الكراهة."
وعليه، فإنَّ أولى الأقوال وأصحها دليلًا ونظرًا ما ذهب إليه القائلون بعدم صحة الصلاة في المسجد الذي بني على القبر سواء نوى بها التبرك بذلك القبر، أو اعتقد الصلاة فيه أو لمجاورة المقبور بذلك المسجد أم لا، حسمًا لمادة الشرك وقطعًا لسبيل الشيطان وعملا بالنصوص الواردة في ذلك وبنصيحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي زجر عن بناء المساجد على المقابر والصلاة فيها، والزجر أشد من النهي.
هذا، ويجدر التنبيه إلى أنَّ الذي صلى في مسجد لا يعلم وجود القبر ثم علمه فإنَّ صلاته تمضى ولا يعيدها ولا يقضيها، وشأن الجاهل بالحكم يلحق به، بخلاف العالم بوجود القبر في المسجد.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في: 9 ربيع الأول 1427ه
الموافق ل: 6 أفريل 2006م
1-أخرجه مسلم في المساجد (1216) ، وابن حبان (6532) ، والطبراني في المعجم الأوسط (4507) ، من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.
2-أخرجه البخاري في التيمم ( 335) ، والنسائي في الغسل والتيمم (435) ، والدارمي (1440) ، والبيهقي (1057) ، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
3-أخرجه مسلم في الجنائز ( 2294 ) ، وأبو داود في الجنائز (3231) ، والترمذي في الجنائز (1069) ، وأحمد (178679) ، من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه.
4-أخرجه مسلم في المساجد ( 1193 ) ، الدارقطني في سننه (681) ، والبيهقي (1062) ، من حديث حذيفة رضي الله عنه.