الفتوى رقم: 799
السؤال:
بعد زواجي بثلاث سنواتٍ من أخٍ مستقيمٍ -أحسَبه كذلك ولا أزكِّي على الله أحدًا- تزوَّجَتْ أختي من رجلٍ لم يُبْدِ رغبةً في التعرف عليه، وبعد سنةٍ تقريبًا ولد لأختي مولود، وعندما طلبتُ من زوجي أخذي لزيارتها رفض بحُجَّة أنه لا يعرف زوجها ولا أهله، وممَّا زاد من إصرار زوجي على رفض زيارته أنَّ زوجَ أختي قام بدعوته إلى نسيكة ابنه بالهاتف في آخر لحظة؟ فهل تعتبر الدعوة بالهاتف ملزمة لإجابتها؟ وبارك الله فيكم.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فلا ينبغي للزوج أن يمنعَ زوجتَه من صلة رحمها؛ لأنَّ الله تعالى أمر بصلة الرحم وإن قطعوه، وبعيادة المريض منهم، وتهنئةِ المعافى، ومواساةِ المنكوب، وتعزيةِ المصاب ونحو ذلك، ويلين لهم وإن قَسَوْا عليه قال تعالى: ?إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى? [النحل: 90] ، وقال تعالى: ?فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ? [محمَّد: 22] ، وقال تعالى: ?إلاَّ الفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ? [البقرة: 26-27] ، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنا الرَّحْم?نُ وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَها اسْمًا مِنِ اسْمي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَها قَطَعْتُهُ » (1) ، ومَنْ منع مِنْ واجبٍ من واجبات الشرع وحدوده فهو صادٌّ عن سبيل الله، وهي خصلة أهل الكفر يصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عِوَجًا، قال الله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ? [الحج: 25] ، ولا يجوز أن يتصف المسلمُ بصفات أهل الكفر والنِّفاق.
والمسلمُ من جهةٍ أخرى إن لم يُدْعَ إلى وليمةِ أخيه المسلم وإن كانت بينهما صلة، فالواجب عليه أن يحمل أخاه على أحسن المحامل، فقد يكون في أثناء عرسه شارد الفكر مشغول البال، فلا ينبغي أن يُظَنَّ به سوءًا، لقوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ? [الحجرات: 12] ، وقوله تعالى: ?لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا? [النور: 12] ، وقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « إِيَّاكُمْ وَالظَنَّ فَإِنَّ الظَنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ » (2) .
هذا، وتقع الدعوة إلى الولائم وغيرها بالتخاطب الشفهي باللسان وهو الأصل في الدلالة على الأشياء، والتعبير بالمكالمة على عموم التصرُّفات والعقود والالتزامات ونحوها، سواء كان بالتعبير عن إرادته مباشرة أو بواسطة وسائط التوصيل كالهواتف أو ما يقوم مقام اللفظ من مظاهر خارجية أخرى كالرسالة والكتابة والإشارة من الأخرس فإنَّها في حكم المخاطبات الشفاهية، ولهذا قيل: « القَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ » ، و «الكِتَابَةُ مِمَّنْ نَأَى بِمَنْزِلَةِ الخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا » ، وقد صاغ الفقهاء على ذلك قاعدة: « الكِتَابُ كَالخِطَابِ » ، وقاعدة: « الإِشَارَةُ المعْهُودَةُ مِنَ الأَخْرَسِ كَالبَيَانِ بِاللِّسَانِ » ، قال ابن القيم رحمه الله: « والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضَحَ بأيِّ طريق كان عُمِلَ بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو كتابة، أو بإيماءَةٍ أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مُطّردة لا يُخِلُّ بها » (3) وإذا كانت الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عنها، والكتابة تقوم مقام العبارة عند الحاجة فالأقرب منهما أولى بالحكم.
وعليه فإذا دعي المسلم بالهاتف كوسيلة تخاطب فإنّه يلزم إجابة الدعوة لقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ » (4) .
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 22 من ذي القعدة 1428ه
الموافق ل: 02 ديسمبر 2007م
1-أخرجه أبو داود في «الزكاة » ، باب في صلة الرحم: (1694) ، والترمذي في «البر والصلة » ، باب ما جاء في قطيعة الرحم: (1907) ، وأحمد في «مسنده » : (1684) ، والحاكم في «المستدرك » : (7272) ، من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، والحديث صححه أحمد شاكر في «تخريجه لمسند أحمد » : (3/139) ، والألباني في «السلسلة الصحيحة » : (520) .
2-أخرجه البخاري في «النكاح » ، باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع: (4849) ، ومسلم في «البر والصلة والآداب » ، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش: (6536) ، وأبو داود في «الأدب » ، باب في الظنّ: (4917) ، والترمذي في «البر والصلة » ، باب ما جاء في ظنّ السوء: (1988) ، وأحمد في «مسنده » : (7798) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
3- «أعلام الموقعين » لابن القيم: (1/218) .
4-أخرجه مسلم في «النكاح » ، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة: (3514) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.