الفتوى رقم: 371
السؤال: لقد أنشئت جمعية لإثبات قراء بالجزائر، يقرؤون القرآن الكريم أول كل شهر ابتداء من أول محرم 1427هـ، في أربعة مساجد بالعاصمة، تتكون من أعضاء دائمين، ولجنة علمية، وأعضاء فرعيين.
هذا، وقد قرأ الأعضاء الدائمون من قبل في قاعة الحفلات ابن خلدون وفي بعض المساجد بولايتي الجزائر وبسكرة، ولوحظ من بعضهم التأثر بقراءة بعض المصريين، وأخذهم بدعهم في القراءة منها: تطريب القراءة، التكلف في التقليد، وضع اليد في الأذن والفم، وحركات زائدة بالرأس واليد، وقولهم:"صدق الله العظيم"نهاية القراءة، وتقليد الدعاء وتطريبه دون معرفة معناه حيث نقل أحدهم كلمات شركية، وغير ذلك من البدع، فنلتمس -من فضيلتكم- تفصيل وبيان الحكم الشرعي في هذه المسائل، وهل الانتقال للقراءة من مسجد لآخر من عمل السلف؟ أو هو من السياحة المنهي عنها؟ وفي الأخير نرجو منكم أن تقدموا لنا ولعامة المسلمين وللجمعية النصح والإرشاد وجزاكم الله خيرا، وفتح عليكم أبواب رحمته.
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أما بعد:
فاعلم -وفقك الله للخير- أنَّ قراءة القرآن بالترتيل وتحسين الصوت به أمر متفق على الترغيب فيه، وأقوال العلماء وأئمة الأمصار والمسلمين وأفعالهم مشهورة في ذلك نهاية الشهرة لقوله تعالى: ?وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ? [المزّمِّل: 4] ، وقوله تعالى:? وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا? [الإسراء: 106] ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَى بِالقُرْآنِ وَيَجْهَرُ بِهِ" (1) ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم"زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُم" (2) ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه:"لَوْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أَسْمَعُ لِقِرَاءَتِكَ البَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ" (3) ، فهذا غيض من الأدلة المستفيضة على استحباب تحسين الصوت بقراءة القرآن الكريم، غير أنَّ هذا التحسين للصوت لا ينبغي أن يترتب عليه إخراج القرآن عن صيغته بإخراج الحركات منه، أو إدخال الحركات فيه، ولا مد مقصور، ولا قصر ممدود، ولا تحويل الحركات إلى حروف، لذلك يحرم قراءة القرآن على وجه التطريب والتلحين بالإفراط في المد، وتمطيط الحروف، وإشباع الحركات، الأمر الذي يترتب عليه مفسدة تبديل صيغة القرآن الكريم وتغيير نهجه القويم إلى الاعوجاج المنفي بقوله تعالى: ?قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ? [الزمر: 28] ، وغالبًا ما يُستصحب الغرض من القرآن بالتلحين لذة الطرب والتسلية والنغمات كنقر الأصوات وأصوات المزامير، ولا يخفى أن ذلك مذموم شرعًا، وقد ذم الله تعالى بذلك قريشًا، قال جل وعلا: ?وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً? [الأنفال: 35] ، ذلك لأنَّ خروجها عن حدِّ القراءة بالتمطيط يذهب بوقار القرآن، وجلاله،"
وشرفه، ويخرجه عن المقصود منه في تدبر آياته، وتفهم معانيه من أمر ونهي، ووعد ووعيد، ووعظ وتخويف، وضرب مثل أو اقتضاء حكم وما إلى ذلك من مضامين كتاب ربنا، قال الله تعالى: ?كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ? [ص: 29] ، وقوله تعالى?:أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا? [النساء: 82] ، وقوله تعالى: ?أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا? [محمد: 24] فمثل هذا التدبر والاعتبار موجب لزيادة الإيمان بالله تعالى على ما وصف الله تعالى أهل الإيمان بقوله: ?وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ? [الأنفال: 2] .
هذا، وأما تكوين جمعية لإثبات وجود قراء بالجزائر، يقرؤون القرآن أول يوم كل شهر، ويخصصون الانطلاقة بأول السنة الهجرية، وينتقلون من مسجد لآخر مع التكلف بمحاكاة الأصوات، وتقليد القرَّاء المصريين خاصة وغيرهم، وما إلى ذلك من المخالفات الشرعية الواردة في السؤال فإنه -بغض النظر- عن المحاذير الشرعية المذكورة فإني لا أعلم حكمًا شرعيًّا يعطي صفة المشروعية على هذا العمل، ولاشك أنَّ قراءة القرآن عبادة، وصورة الاجتماع وترتيب الهيئات المكونة والتنقلات المخصوصة، والأزمنة المحددة تابعة للقراءة في العبادة، إذ"التابع تابع"أي أن التابع له حكم المتبوع، والأصل في العبادات التوقيف، وكل ما أضيف إلى الحكم الشرعي يحتاج إلى دليل ولا يشرع إلا به، والمقتضي كان موجودًا في زمانه ولم يفعله، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يجتمع مع أصحابه في مهماته وغزواته ولا أعلم أنه أرشدهم إلى الانضمام في مجموعة متنقلة وبالأوصاف المذكورة في السؤال، مع كثرة تلاوتهم للقرآن وملازمتهم لها وتنافسهم فيها، ولا يحتج في هذا المقام بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:« ... مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُم الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُم الملَائِكَةُ، وَذَكَرَهُم الله فِيمَنْ عِنْدَهُ" (4) لأن غاية ما يدل عليه استحباب الاجتماع مع قراءة كل واحد بانفراده أو بطريقة الإدارة، وهي- ولاشك- صورة مباينة لصورة الجمعية المنتظمة، التي لا يبعد أن تتحول إلى جمعية كسبية مطلوبة في إحياء المناسبات العامة، والأعياد البدعية، والمواسم، كالمواليد، ورؤوس السنة الميلادية، والهجرية، والقراءة في المآتم، وافتتاح الندوات، والمحاضرات بصورة دائمة، ولاشك أن ذلك يُمنع أصالة وسدًّا لذريعة المحرم، وكل ما أدى"
إلى حرام فهو حرام كما تقرر في القواعد.
هذا، والجدير بالتنبيه أنه لا يسن للقارئ أن ينهي قراءته بقوله (صدق الله العظيم) لأنها عبادة تتضمن ثناءً على الله تعالى، ولا يجوز التعبد إلا بما شرع، ولم تثبت مشروعيته لا بكتاب ولا سنة ولا عمل السلف مع كثرة عنايتهم بالقرآن ومعرفتهم بشأنه، ولو كان مشروعًا لفعلوه، ولو فعلوه لنقل إلينا، ولا يصح الاحتجاج بقوله تعالى: ?قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا? [آل عمران: 95] ، أو بقوله تعالى: ?وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا? [النساء: 87] ، أو بقوله تعالى: ?وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا? [النساء: 122] ، لأن إيمان المسلم يوجب عليه أن لايشك بأن الله تعالى أصدق القائلين، لكن لا يلزم من ذلك تأكيده بقوله (صدق الله العظيم) إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه فعل ذلك مع وجود المقتضي لفعله، بل ثبت عنه أنه قرأ عليه ابن مسعود رضي الله عنه من سورة النساء:? فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا? [النساء: 41] فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:« حسبك"ولم يقل:"صدق الله العظيم"، ولا قاله ابن مسعود رضي الله عنه، فدل ذلك على أنه من محدثات الأمور، وقد ثبت في الحديث:"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (5) ، وفي لفظ مسلم:"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (6) ."
نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في: 30 من ذي الحجة 1426ه
الموافق ل: 03 يناير 2006م
1-أخرجه البخاري في فضائل القرآن (5023) ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (1883) ، وأبو داود في الوتر (1475) ، والنسائي في الافتتاح (1025) ، وأحمد (10059) ، والدارمي (3561) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
2-أخرجه أبو داود في الوتر (1470) ، والنسائي في الافتتاح (1023) ، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1403) ، وأحمد (18994) ، والدارمي (3564) ، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (3518) ، وفي السلسلة الصحيحة (771) .
3-أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1888) ، والبيهقي (4895) ، والبزار (2708) ، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
4-أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (7030) ، وأبو داود في الوتر (1457) ، وأحمد (12214) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
5-أخرجه البخاري في الصلح (2697) ، ومسلم في الأقضية (4589) ، وأبو داود في السنة (4608) ، وابن ماجه في المقدمة (14) ، وأحمد (26786) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.
6-أخرجه مسلم في الأقضية (4590) ، وأحمد (25870) ، والدارقطني في سننه (4593) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.