الفتوى رقم: 227
السؤال: أخت تزوجت من رجل كان يسكن فرنسا، وله زوجة غير ملتزمة وولدان، فعند خطبة الثانية تعاقدا على المكوث في العاصمة وأن يتركها تحضر الحلقات العلمية، ولكنّه بعد الرجوع من فرنسا تشاغل بفتنة التجريح ومنعها من حضور الحلقات، وأصبح يعاملها بالسوء، فالبنسبة إليها ضاقت معيشتها، فهل لها أن تطالب بفسخ العقد؟ وما نصيحتكم جزاكم الله خيرا.
الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين أمّا بعد:
فلا يحق للزوج أن يخل بالتزامه بالشروط التي يجب عليه الوفاء بها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (1) ، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم:«المسلمون على شروطهم، إلاّ شرطا حرّم حلالا أو أحلّ حراما" (2) ، والمرأة إذا اشترطت على زوجها الخروج إلى المسجد لتتعلم الضروري من أمور دينها فمثل هذا الشرط ليس ممّا حرّمه الله بل ممّا أوجبه قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ? [المائدة:1] ولا يخفى أنّ العقود عهود والله سبحانه وتعالى قال: ?وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا? [الإسراء:34] ، وللزوجة إن رأت من زوجها عدم الوفاء بالشروط التي تضمنها عقد الزواج فيسعها إن أرادت فسخ العقد أن تفسخه فذلك من حقها. وخاصة إن لم يعاملها بالمعروف لقوله تعالى: ?وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ? [النساء:19] وذلك من حق الزوجة على زوجها.
أمّا إذا رأت في مجمله الخلق والدين والقيام على شؤونها وسد حاجيتها وأنّ أمر الشروط ليس من الأهمية التي تعكّر جو الحياة الزوجية فما عليها إلاّ أن تتنازل عن هذه الشروط وتصبر عليه وتخرج لاكتساب الضروري من دينها لكونه واجبا عليها ولا يستطيع أن يمنعها من واجب لقوله سبحانه وتعالى: ?يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا... ? [التحريم:6] ، والوقاية من النار بتعلم العلم الشرعي الموصل إلى معرفة الحلال والحرام ومعرفة التوحيد من الشرك، والآية شاملة للذكور والإناث لأنّ الأهل هم زوجات الرجل وأولاده، كما قال تعالى: ?وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا? [طه:132] "والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم" (3) ولا يخفى أنّ تحصيل العلم مطلوب، فاقتضى المقام والحاجة إلى خروجها لقوام دينها ولو من غير إذنه إذا لم يوفر لها في بيتها ما تستغني به عن الخروج، وإذا كان الرجل لا يجوز له أن يمنع زوجته من الذهاب إلى المسجد مع أنّ المسجد ليس واجبا عليها فمن باب أولى أن لا يمنعها من الخروج إلى ما هو فرض وواجب عليها كصلة رحمها وتعلم أمور دينها وغير ذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« طلب العلم فريضة على كلّ مسلم" (4) ، لكن خروجها ينبغي أن يكون بالضوابط الشرعية في اللباس والهيئة ومكان الطلب والعبادة وغيرها."
هذا، وما يحمله هذا الزوج من تجريح فهو موكول إلى دينه في معرفة الحق من الباطل في تجريح أهل الباطل من أهل الحق ينبغي التوثيق والركون إلى أهل المعرفة بالرجال وغير ذلك من الضوابط التي ينبغي على المجرح القيام عليها أو من في شاكلته وهو مؤاخذ بلا شك إن لم يراعها والعهدة عليه.
والعلم عند الله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
1-أخرجه البخاري في النكاح (5151) ، ومسلم في النكاح (3557) ، وأبو داود في النكاح (2141) ، والترمذي في النكاح (1154) ، والنسائي (3294) ، وابن ماجه في النكاح (2030) ، وأحمد (17765) ، والدارمي (2258) ، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
2-أخرجه الترمذي في الأحكام (1403) ، من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه. وصححه الألباني في الإرواء (1303) .
3-أخرجه البخاري في العتق (2554) ، ومسلم في الإمارة (4828) ، وأبو داود في الخراج (2930) ، والترمذي في الجهاد (1806) ، وأحمد (4589) ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
4-أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (4096) ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح (3913) .