فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 995

الفتوى رقم: 110

السؤال: فضيلة الشيخ -جزاكم الله خيرا وأعانكم على خدمة الإسلام والمسلمين- أفتونا مشكورين على هذه الأسئلة الهامة ، جزاكم الله خيرا وأحسن إليكم وسدد خطاكم.

السؤال1: ما حكم من يأخذ الأجر على تحفيظ القرآن وتعليم الناس الحروف كمًا وكيفًا؟ مع العلم أنّ الفقراء معنيون بهذا، للانضباط في آن واحد مع أولياء التلاميذ.

السؤال2: إذا كان بالجواز هل يوجد هناك تفريق بين من يأخذ أجرته عليها من الوزارة (وأعني معلمي القرآن) وبين من لا يأخذ أجرته على هذا التعليم (وأعني الأئمة المدرسين والقيمين والمؤذنين) ؟، هذا من جهة ومن جهة أخرى المتطوعون الذين لا دخل لهم على الإطلاق ومن أي جهة كانت إلا هذه الأجرة التي يتقاضونها من أولياء التلاميذ.

ومع العلم فضيلة الشيخ أنّ الذين يتقاضون رواتبهم الشهرية من الوزارة أغلبهم لا يصل راتبه عشرة آلاف دينار (مليون) وهم بحاجته إلى تدعيم قدراتهم المادية.

أفيدونا ممّا علمكم الله -جزاكم الله عنّا وعن المسلمين كلّ خير- ونستسمحكم إن أطلنا عليكم أو أخذنا من أوقاتكم الثمينة ولأنّ هذه المسألة ممّا عمّت به البلوى في جلّ المساجد إن لم أقل كلّ المساجد وعلى رأسها التي تقتدي بالسلف الصالح. وبارك الله فيكم وجزا كم خيرا.

الجواب: الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين؛ أمّا بعد:

فاعلم أنّ ما عليه جمهور أهل العلم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن استدلالا بما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ أحق ما أخذتم عليه أ جرا كتاب الله" (1) ،وبما ثبت في الصحيحين أيضا من حديث المرأة التي زوجها النبي صلى الله عليه وسلم برجل على أن يعلمها ما معه من القرآن (2) ،وبقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:"ما آتاك الله -عز وجل- من هذا المال من غير مسألة ولا إشرافٍ فخذه، فتموله، أو تصدق به، وما لا، فلا تُتْبعه نفسك" (3)

أمّا ما استدل به الحنفية ومن وافقهم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:"علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله عز وجل، فلمّا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن كنت تحب أن تُطوّق طوقا من نار فاقبلها" (4) والحديث له طرق وشواهد فقد روي معناه عن أبي بن كعب وعن عبد الرحمن بن شبل وعن عمران ابن حصين (5) مؤولين حديث ابن عباس بأنّ المراد بالأجر فيه الثواب، وذهب آخرون إلى القول بأنّه منسوخ بالأحاديث الواردة في الوعيد عن أخذ الأجرة على تعليم القرآن ومنها حديث عثمان بن العاص قال:"من آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا" (6) فإنّ الجمهور يردون ما اعترض به الحنفية على أنّ حديث عبادة في سنده من هو مختلف فيه وهو المغيرة بن زياد، وكلّ الشواهد الأخرى لم يصح فيها شيء، وليس فيها ما تقوم به الحجة، لذلك رجحوا حديث ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري لعدم وجود من هو مختلف في عدالته، ترجيحا بالاتفاق على عدالة الراوي وهو من وجوه الترجيح من جهة السند باعتبار حال الراوي."

وعلى تقدير أنّ مجموع ما تفيده هذه الأحاديث تورث ظنا بعدم الجواز وتنتهض للاستدلال على المطلوب فجوابه أنّ تلك الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة على ما بينه ابن حجر (7) والشوكاني في النيل (8)

وأمّا حمل الأجر في حديث ابن عباس رضي الله عنهما على الثواب فبعيد لأنّ سياق القصة التي في الحديث يأبى هذا التأويل، والقول بأنّه منسوخ متعقب بأنّ النسخ لا يثبت بالاحتمال.

هذا وقد سلك بعض العلماء مسلك الجمع بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وأظهر وجوه الجمع هو حمل حديث ابن عباس رضي الله عنهما على العموم بما في ذلك تعليم القرآن وعلوم الشريعة وأخذ الأجرة على التلاوة لمن طلب من القارئ ذلك وأخذ الأجر على الرقية ونحو ذلك ويخص من هذا العموم تعليم المكلّف ويبقى ما عداه داخلا تحت العموم وبه قال الشوكاني (9)

وعندي أنّه يجوز أخذ الأجرة كمصدر رزق في مقابل التفرغ لأداء الطاعات والقربات على الوجه الأكمل وليس ذلك بعوض عن الطاعات وإنّما للإعانة عليها، ذلك لأنّ الاشتغال بتحصيل ما به قوام حياتهم وحياة من يعولونهم تضييع للقرآن الكريم والشرع الحنيف بانقراض حملته، وهذا لا يخرجه عن كونه قربة وطاعة ولا يقدح في الإخلاص وإلاّ ما استحقت الغنائم وسَلَبُ القاتل، ثمّ إنّ في تعليم القرآن والعلوم الشرعية ما يساعد على نشر الإسلام وتعاليمه، لذلك أفتى الشافعية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والفقه والحديث استثناء من أصلهم وعدولا عن مذهبهم استحسانا موافقين في ذلك مذهب الجمهور،هذا كلّه فيما إذا كان المعلّم غير مشمول برزق من الجهة الوصية أو غيرها، أمّا إذا كان المعلّم تجري عليه مرتبات مالية من قبل وزارته فلا يصح أن يأخذ مالا زائدا من جهة أولياء التلاميذ، لأنّ العمل المعلوم مدفوع الأجر وما زاد فبأي حق يأخذه؟ اللّهم إلاّ إذا عمل عملا آخر خارجا عن إطار عمله كفضل زائد من غير إخلال بالعمل الأصلي ولا أن يحدث اضطرابا في انتظامه فله -والحال هذه- أن يعين نفسه وأهله من متطلبات المعيشة والحاجيات الأساسية بأن يأخذ البذل المعلوم الزائد في مقابل العمل المعلوم الزائد.

وإذا استناب غيره في عمله للحاجة فلا يحق للغير أن يأخذ مالا في عمل الأصيل الذي يتقاضى عليه أجرا، وله أن يعطيه من ماله دون أن يطالب بمال غيره.

والعلم عند لله تعالى؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلم تسليما.

الجزائر في: 12ذي الحجة 1420هـ

الموافق لـ: 19 مارس 2000م

1-أخرجه البخاري في الطب رقم: (5737) ، والدارقطني في سننه: (3082) ، والبيهقي في سننه: (2101) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

2-أخرجه البخاري في فضائل القرآن رقم: (5029) ، وفي النكاح رقم: (5132) ، ومسلم في النكاح رقم: (3454) ، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.

3-أخرجه البخاري في الزكاة رقم: (1473) ، ومسلم في الزكاة رقم: (1045) ، والنسائي في الزكاة رقم: (2605) واللفظ له، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وانظر السلسلة الصحيحة: (2209) .

4-أخرجه أبو داود في الإجارة رقم: (3416) ، وابن ماجه في التجارات رقم: (2157) ، وأحمد رقم: (23357) ، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: (1/1/515) .

5-انظر بعض هذه الأحاديث والشواهد في إرواء الغليل: (5/316) ، والسلسلة الصحيحة: (1/1/517) .

6-أخرجه الترمذي في الصلاة رقم: (209) ، وابن ماجه في الأذان رقم: (714) ، من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في الإرواء: (5/316) .

7-الفتح: (4/573) .

8-نيل الأوطار للشوكاني: (7/35) .

9-وبل الغمام للشوكاني: (2/161) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت