الفتوى رقم: 22
السؤال: ما معنى حديث: « إِنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا » ؟
الجواب: الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فهذا الحديث أخرجه البخاري في الإيمان: باب أحبُّ الدين إلى الله أدومه، ومسلم في صلاة المسافرين: باب أمر من نعس في صلاته من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة حسنة الهيئة، فقال: من هذه؟ قلت: هي فلانة بنت فلان، وهي يا رسول الله لا تنام الليل، فقال: « مَهْ، خذوا من العمل ما تطيقون، فإنّ الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، وأحبُّ العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبُه وإن قلّ » (1) .
والمَلال: هو استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته، وهو يُفضي إلى الترك؛ لأنّ مَن ملّ شيئًا تركه وأعرض عنه.
وقد تباينت تفاسير معنى قوله صلى الله عليه وسلم: « فإن الله لا يمل حتى تملوا » ومردُّها إلى التحقيق في حرف"حتى"في الحديث، فمن حملها على انتهاء الغاية فسّر معناها على وجهين:
الأول: إنّ الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله فتزهدوا في الرغبة إليه.
الثاني: إنّ الله لا يترك الثواب والجزاء ما لم تملوا من العمل، فكان بهذا الاعتبار معنى"الملال": الترك لأنّ مَن ملّ شيئًا تركه فكنَّى بالملال عن الترك لأنّه سببه، فسمي ذلك من باب تسمية الشيء باسم سببه، ولو ثبت حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا: « اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإنّ الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل » لكان تفسيرًا لمعناه، لكن في سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في الفتح (2) ، وقال في موضع آخر:"أخرجه الطبري في تفسير سورة المزمل، وفي بعض طرقه ما يدل على أنّ ذلك مدرج من كلام بعض رواة الحديث" (3) .
هذا، ومنهم من حمل"حتى"بمعنى"الواو"ويكون التقدير: لا يمل وتملون، فنفى عنه الملل وأثبته لهم، ومنهم من حملها بمعنى"حين"أي: لا يمل الله حين تملون، وقد جعلها بعضهم بمعنى"إنَّ"وتقديره:"إنّ الله لا يمل وإن مللتم"، وهو ما ذكره البغوي في"شرح السنة"وقال:"بأنّ الملال على الله لا يجوز" (4) ، ونقل الحافظ في"الفتح"الاتفاق على أنّ الملال على الله محال.
قلت: إن كانت دلالة الحديث مثبتةً لوصف الملل على الله تعالى فينبغي حمله على وجه يليق بجلاله سبحانه وتعالى من غير أن يتضمَّن شيئا من النَّقص أو العيب الذي يعتري حال الإنسان، ذلك لأنّ الصفات المذمومة من البشر لا يقتضي نفيها عن الله تعالى جريًا على قاعدة أهل السنة والجماعة أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل لأنّ الله تعالى لا شبيه له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، ولا يلزم من تماثل الشيئين في الاسم والصفة أن يتماثلا في الحقيقة، فلا يجوز أن يقاس بخلقه، لأنّ القياس إنّما يكون للنظيرين، والله سبحانه لا نظير له، فقد يحسن منه ما لا يجوز للبشر الاتصاف به كالعظمة والكبرياء، وقد يحسن من خلقه ما ينزّه عنه سبحانه كالعبودية.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليما.
1-أخرجه البخاري في الإيمان (43) ، ومسلم (1870) ، وأبو داود في التطوع (1368) ، والنسائي في القبلة (762) ، وابن ماجة (4238) ، ومالك في الموطأ (258) ، وأحمد (24853) ، والحميدي في مسنده (191) ، والبيهقي (4925) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.
2-فتح الباري (1/137- 138) .
3-فتح الباري (3/48) .
4-شرح السنة للبغوي (4/49) .