الفتوى رقم: 610
السؤال:
هل يجوز للأعجمي أن يدعو في الصلاة بغير اللغة العربية؟
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فالقادرُ على الصلاة والدعاء باللغة العربية تلزَمُهُ ألفاظُها وخاصَّةً فاتحةُ الكتاب والتشهدُ ونحوُ ذلك، أمّا العاجزُ عن اللغة العربية والنطق بها فله أن يأتي بالصلاة بلغته ما عدا فاتحةَ الكتاب لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ » (1) ، فهي أقلُّ ما يجزئ صلاتَه بها من القرآن الكريم، فإن عَجَزَ عنها بعد جهد واجتهاد فله أن يأتي مكانها بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم للرجل الذي قال: لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا: « قُلْ سُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ لله وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ العَلِّيِّ العَظِيمِ » (2) ، ولأنّ العاجز لا يأتي من الأوامر الإلهية إلاّ في حدود استطاعته لقوله تعالى: ?لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا? [البقرة: 286] ، وقولِه تعالى: ?فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ? [التغابن: 16] ، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْء فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ » (3) ، جريًا على قاعدة: « لاَ تَكْلِيفَ إِلاَّ بِمَقْدُورٍ » ، والدعاء لا يخرج عن هذا المعنى، فيجوز الدعاء بأي عبارة يتقرّب بها إلى الله تفيد معنى التذلّل والانكسار والانقياد لله سبحانه وتعالى، مهما كانت عُجْمَتُهُ لعموم قوله تعالى: ?ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ? [غافر: 60] ، ولقوله تعالى: ?فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ? [البقرة: 186] ، وخاصّة لمن لم ينطق بلغة القرآن ولسان العرب، أو يجد صعوبةً في التلفّظ بها، واللهُ تعالى يجيبُه إذا توفَّرت الشروط وانتفعت الموانعُ، سواء بتعجيلها له أو ادِّخارِها أو دفعِ البلايا والرزايا عليه (4) .
والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.
الجزائر في: 11 ذو القعدة 1427ه
الموافق ل: 2 ديسمبر 2006م
1-أخرجه البخاري في « الصلاة » : (723) ، ومسلم في «الصلاة » : (874) ، وأبو داود في «الصلاة » : (822) ، والترمذي في «الصلاة » : (247) ، والنسائي في «الافتتاح » : (910) ، وابن ماجه في «إقامة الصلاة » : (837) ، وأحمد (22169) ، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
2-أخرجه أبو داود في «الصلاة » : (832) ، وأحمد: (18617) ، وابن حبان: (1360) ، والبيهقي: (4008) ، من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه. وحسّنه الألباني في «المشكاة » : (819) .
3-أخرجه البخاري في «الاعتصام بالكتاب والسنة » : (6858) ، ومسلم في «الحج » : (3257) ، وابن حبان: (19) ، وأحمد: (9239) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
4-عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: « مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ » أخرجه أحمد: (10903) ، والبخاري في «الأدب المفرد » : (731) ، والحاكم: (1852) ، وابن أبي شيبة في «المصنف » : (24906) ، وصحّحه الألباني في «صحيح الأدب المفرد » : (547) ، والوادعي في «الصحيح المسند » : (421) .