فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 995

الفتوى رقم: 900

السؤال:

هل يجوز التصدُّق على بعض العلماء أو التابعين رحمهم الله أو الصحابة رضي الله عنهم؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فاعلم أَنَّ باب القُرُبات يقتصر فيه على النصوص ولا يُتصرَّف فيه بأنواعٍ من الأقيسة والآراء، فالأحاديث الواردة في الصدقة على الأموات إنما وردت قاصرةً على الولد بوالديه بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما الثواب، مثل ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، -وَلَمْ تُوصِ- وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَصَدَّقْتُ عَنْهَا» (1) ، وبما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ سعد بن عبادة توفيت أُمُّه -وهو غائب عنها- فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي تُوفِّيَتْ -وَأَنَا غَائِبٌ- فَهَلْ يَنْفَعُهَا إِنْ تَصدَّقْتُ عَنْهَا بِشَيْءٍ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الذِّي بِالمِخْرَافِ صَدَقَةٌ عَنْهَا» (2) ، وبما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلًا قال للنبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ» (3) .

فهذه الأحاديثُ وغيرُها لا تعارِض قولَه تعالى: ?وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى? [النجم: 39] ؛ لأنه قد ثبت أنَّ ولد الإنسان مِن سعي والديه وكسبِهما في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» (4) ، فإنَّ ما يفعله الولدُ الصالحُ من الأعمال الصالحة فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيئًا؛ ولأنَّ الوالد يزكي نفسه بتربيته لولده وقيامه عليه فكان له أجره، لقوله تعالى: ?وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ? [فاطر: 18] .

أمَّا غيرُ الولد فإنَّ عموم الآية السابقة تدلُّ على أنه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيُحكَّم العموم حتى يأتي دليلٌ يقتضي تخصيصَه، وقد ورد الدليل في أمر الدعاء لغير الولد في قوله تعالى: ?وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا…? [الحشر: 10] ، ومن ذلك مشروعية الدعاء في صلاة الجِنازة، والدعاء له بعد الدفن وعند الزيارة له، ويخصِّص عمومَ الآية -أيضًا- قضاءُ الدَّين عن الميت، فقد أقرَّ ذلك النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهِ، قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا لاَ، قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: ثَلاَثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِن الأَنْصَارِ يُقاَلُ لَهُ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ» (5) ، وقضاءُ الدَّين فكٌّ له عن الاحتباس، يجوز أن يتولَّى ذلك غيرُ الولد، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فيمن كان محبوسًا على باب الجنة من أجل الدَّين: «فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ» (6) .

ويجوز -أيضًا- لغير الولد إن أَوْصَى الميت؛ لأنَّ الوصية -أيضًا- تدخل ضمن مساعي الميت وكسبِه.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 26 ربيع الثاني 1429?

الموافق ?: 03 ماي 2008م

1-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغتة: (1322) ، مسلم في «صحيحه» كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه: (2326) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.

2-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز: (2618) ، وأبو داود في «سننه» كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية يتصدق عنه: (2882) ، والترمذي في «سننه» كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة عن الميت: (669) ، وأحمد في «مسنده» : (3070) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

3-أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت: (4219) ، والنسائي في «سننه» كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة عن الميت: (3652) ، وابن ماجه في «سننه» كتاب الوصايا، باب من مات ولم يوصي هل يتصدق عنه: (2716) ، وأحمد في «مسنده» : (8677) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

4-أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الإجارة، باب في الرجل يأكل من مال ولده: (3528) ، والنسائي في «سننه» كتاب البيوع، باب الحث على الكسب: (4452) ، وابن ماجه في «سننه» كتاب التجارات، باب الحث علي المكاسب: (2137) ، وأحمد في «مسنده» : (25083) ، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الألباني في «الإرواء» : (1626) .

?- أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الحوالات، باب إن أحال دين الميت على رجل جاز: (2168) ، وأحمد في «مسنده» : (16092) ، من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

5-أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب البيوع، باب في التشديد في الدين: (3341) ، وأحمد في «مسنده» : (19719) ، والحاكم في «المستدرك» : (2214) ، والطبراني في «المعجم الكبير» : (6753) ، من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» : (7017) ، وانظر «أحكام الجنائز» له: (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت