فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 995

الفتوى رقم: 831

السؤال:

ما جوابكم فيمن استدل على عدم اشتراط الطهارة لمس المصحف للحائض والجنب والمحدث بقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لعائشة رضي الله عنها في حَجَّة الوداع لما حاضت: « افْعَلِي مَا يَفْعَلُهُ الحَاجُّ إِلاَّ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالبَيْتِ » ؟.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم علَّق حُكمَها بوصف: « الحاجِّ » لبيان ما يجوز فيه النُّسُكُ للحائض المُحْرِمَة وما يَحْرُمُ عليها، فلا يحتاج المَقام حَالَتَئِذٍ إلى بيان حكم مسِّ القرآن؛ لأنه ليس من شعائر الحجِّ ومناسكه، فشأنه أنه ليس من لوازم الحجِّ كصوم الحاج، فإنه يصحُّ صومه منه دون الحائض -كما هو معلوم-.

ومع ذلك لم يمنعِ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عائشةَ رضي الله عنها منه في الحديث السابق، ولا يعني ذلك جوازه لها، غاية ما في الأمر: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم في معرض بيان خصوص ما يتعلَّق بمناسك الحجِّ للحائض المُحْرِمَة، وأمرُ الصوم ومسِّ القرآن ليس من مُتعلّقاته صحّةً وبطلانًا، وعليه فإنَّ السكوت عن مسِّ المُصحف في الحديث ليس دليلًا في المسألة ولا نصًّا في إباحته.

ولو سُلِّم جوازه فإنه يستدلُّ عليه بورود الحديث مُطلقًا مقرِّرًا للبراءة الأصلية ومُبقيًا لها، وقد جاء ما يفيد تقييدَه بما ثبت من حديث عمرو بن حزم في كتابه: « لاَ يَمَسُّ القُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ » .

فهو خبرٌ ناقلٌ عن أصل البراءة والناقل عنه أَوْلَى بالتقديم (1) ، لِمَا يفيده من حكمٍ شرعيٍّ ليس موجودًا في الخبر المُبقي للبراءة الأصلية، وما كان كذلك فهو أَوْلَى بأن تُشغل الذمَّة به، خاصَّة إذا أفاده الحكم الشرعي الجديد محظورًا، لما تقرَّر أصوليًّا بأنّ « الدليل الحاظِرَ مقدَّم على المبيح » ، إذ ترك المُباح لاجتناب المحرَّم أَوْلَى من عكسه.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.

الجزائر في: 23 المحرم 1429ه

الموافق ل: 31 جانفي 2008م

1-هذا عند جمهور الأصوليين، وذهب الفخر الرازي إلى تقديم ما كان مقرِّرًا لحكم البراءة على ما كان ناقلًا عنها، واختاره البيضاوي، لاعتضاد المقرٍّر بدليل الأصل.

انظر: « المعونة » للشيرازي: (276) ، «المحصول » للفخر الرازي: (2/2/579) ، «روضة الناظر » لابن قدامة: (2/461) ، «شرح تنقيح الفصول » للقرافي: (424) ، «المسوَّدة » لآل تيمية: (314) ، «الإبهاج » للسبكي وابنه: « 3/233)، «نهاية السول » للإسنوي: (3/242) ، «تقريب الوصول » لابن جزي: (166) ، «إرشاد الفحول » للشوكاني: (279) ، «نشر البنود » للعلوي: (2/299) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت