الفتوى رقم: 526
السؤال: صَحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله عن الذهب والحرير: « هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهَا » ، وقد ذهب الحنفيةُ والإمامُ أحمدُ في قولٍ إلى إباحةِ الذهب للرجال إذا كان يسيرًا تابعًا لغيره، كالنسج والكتابة بخيوط الذهب، واستدلُّوا على ذلك بما أخرجه البخاريُّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: « نَهَى عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إِلاَّ مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ أَوْ أَرْبَعٍ » (1) ، ووجهُ الاستدلال من الحديث ما ذكره ابنُ عابدينَ بقوله: « أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ الاسْتِشْكَالِ أَنَّ كُلاًّ مِنَ العَلَمِ وَالكَفَافِ فِي الثَّوْبِ إنَّمَا حَلَّ لِكَوْنِهِ قَلِيلًا وَتَابِعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَدِ اسْتَوَى كُلٌّ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالحَرِيرِ فِي الحُرْمَةِ فَتَرْخِيصُ العَلَمِ وَالكَفَافِ مِنَ الحَرِيرِ تَرْخِيصٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِهِ أَيْضًا بِدَلاَلَةِ الْمُسَاوَاةِ » (2) .
فهل قوله: « بدلالة المساواة » استدلالٌ بمفهوم الموافقة؟ وإذا كان كذلك فما الذي ترجّحونه ـ حفظكم الله ـ في مسألة تخصيص العامّ بمفهوم الموافقة؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فالذهب محرَّمٌ على الرجال قولًا واحدًا لأهل العلمِ في قولِه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه بعدما مسك الذهب بيده اليمنى والحريرَ بشماله وقال: « هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهَا » (3) ، غير أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجاز اليسير منه مع اختلافهم في وجه اليسير في نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلاَّ مُقَطَّعًا » (4) ، والمراد بالمقطَّع اليسير، وهل اليسير في باب الحاجة ومن باب أولى الضرورة أم أنه يجوز مطلقًا ؟ فمن حمله على الحاجة قال: لا يجوز ما عداه ولو كان يسيرًا، أمّا من أجازه مطلقًا عن الحاجة فساواه بما تضمّنه الحديث المذكور في السؤال، وحدّده باليسير عُرْفًا.
أمّا التخصيص بمفهوم الموافقة فلا شكَّ أنه يجوز التخصيص به لأنه من باب خطاب السمع على ما عليه جمهور أهل العلم فدلالته دلالةٌ لفظيةٌ لا قياسية، وعلى القول بأنّ دلالته قياسية وهو مذهب الشافعي ومن وافقه فإنّ الصحيح جواز تخصيص العموم بالقياس.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في: 2 محرم 1426ه
الموافق ل: 1 فبراير 2006م
1-أخرجه مسلم في اللباس والزينة (5413) ، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمّا البخاري فأخرجه في كتاب اللباس (5491) ، بلفظ: « نَهَى عَنْ لُبْسِ الحرِيرِ إِلاَّ هَكَذَا، وَصفَّ لَنَا النبي صلى الله عليه وسلم إِصْبعَيْهِ. ورفع زهير الوسطى والسبابة » .
2-ردّ المحتار لابن عابدين: (26/349) .
3-أخرجه البزار في (866) ، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (13601) ، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وأخرجه ابن حبان (5434) ، وأحمد (752) ، وأبو يعلى (325) ، والبيهقي (4320) ، وفي شعب الإيمان (6083) ، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بلفظ: « هذان حرام على ذكور أمتي » . والحديث صحّحه الألباني في «الرد المفحم » (126) ، وفي «صفة الفتوى » (90) .
4-أخرجه أبو داود في الخاتم (4239) ، والنسائي في الزينة (5150) ، وأحمد (16458) ، والبيهقي (5915) ، والطبراني في المعجم الكبير (837) ، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. والحديث صحّحه الألباني في «آداب الزفاف » (163) .