الفتوى رقم: 434
السؤال: ما حكم أخذ الأجرة على الحجامة؟
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فكسب الحجام حلال وهو محمول على الكراهة التنزيهية كما هو عند الجمهور استدلالًا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ:"احْتَجَمَ النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ" (1) ، وفي رواية أبي داود:"وَلَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ" (2) ، كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« مَا أَصَابَ الْحَجَّامُ فَاعْلِفُوهُ النَّاضِحَ" (3) وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دَعَا حَجَّامًا فَحَجَّمَهُ وَسَأَلَهُ:"كَمْ خَرَاجُكَ؟ فَقَالَ: ثَلاَثَة آصُعٍ، فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا وَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ" (4) ، وفي حديث علي رضي الله عنه"أنَّ النبي صلى الله عليه وآله احْتَجَمَ وَأَمَرَنِي فَأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ أَجْرَهُ (5) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ" (6) ، أمَّا حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال:"نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ كَسْبِ الحَجَّامِ" (7) ، وحديث رافع بن خديج أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ" (8) فهو محمول على الكراهة التنزيهية لدناءة العمل وخسته لا على المحرم، إذ يسمى راذل المال ودنيء المال خبيثا كما في قوله تعالى: ?وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ? [البقرة: 267] ، قال النووي:"هذه الأحاديث التي في النهي على التنزيه والارتفاع عن دنيء الأكساب والحثِّ على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حراما لم يفرق بين الحر والعبد، فإنه لا يجوز للسيد أن يطعم عبده ما لا يحل" (9) ، وعليه فإنَّ دفْعَ التعارض يكون بحمل النهي على الكراهة التنزيهية جمعًا بين الأدلة.
هذا، ولا يلحق بدلالة الاقتران على"ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ" (10) فإنهما على التحريم لأنَّ الكلب نجس الذات وما حرم لذاته حرم ثمنه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ" (11) ولأنَّ الزنا محرم وبذل العوض عليه وأخذه في التحريم مثله لأنَّه وسيلة إلى محرم والوسائل لها حكم المقاصد، ودلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين لأنَّ الاقتران في النَّظم لا يستلزم منه الاقتران في الحكم إذ قد يُجمع الكلام بين القرائن في اللفظ ويفرق بينهما في المعاني بحسب الأغراض والمقاصد، وهذا إنَّما يُعلم ذلك بدلائل الأصول وباعتبار معانيها."
هذا، والحجامة معدودة من فنون الطبِّ، وفيها نفع وصلاح الأبدان، ويجوز فيها ما لا يجوز في الطبِّ كما يشترط فيها ما لا يشترط فيه في الجملة قال ابن قدامة في مختصر منهاج القاصدين [17] :"ولا يتعجب من قولنا: إنَّ الطبَّ والحساب من فروض الكفايات... (11) بل الحجامة فإنَّه لو خلا البلد من حجام لأسرع الهلاك إليهم، فإنَّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله".
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في: 29 ربيع الثاني1427ه
الموافق ل: 27 مايو 2006م
1-أخرجه البخاري في البيوع (2103) ، ومسلم في المساقاة (4124) ، وأحمد (3035) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
2-أخرجه أبو داود في الإجارة (3425) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3423) .
3-أخرجه أحمد (17731) ، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (5532) . وفسره بعضهم بالرقيق الذين يكونون في الإبل، فالغلمان نضّاح، والإبل نواضح [النهاية لابن الأثير:5/69] .
4-أخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية (1/301) رقم (364) ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في الشمائل المحمدية (312) .
5-أخرجه ابن ماجه في التجارات (2247) ، وأحمد (1142) ، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1770) .
6-أخرجه البخاري في البيوع (2102) ، ومسلم في المساقاة (4121) ، وأبو داود في الإجارة (3426) ، والترمذي في البيوع (1325) ، ومالك في الموطإ (1791) ، وأحمد (12291) ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
7-أخرجه ابن ماجه في التجارات (2165) ، من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه. وصححه العراقي في تخريج الإحياء (2/143) ، والألباني في صحيح الجامع (6976) .
8-أخرجه مسلم في المساقاة (4095) ، وأبو داود الإجارة (3423) ، والترمذي في البيوع (1322) ، وأحمد (16227) ، والدارمي في سننه (2677) ، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.
9-شرح مسلم للنووي: 10/233.
10-أخرجه مسلم في المساقاة (4095) ، وأبو داود الإجارة (3423) ، والترمذي في البيوع (1322) ، وأحمد (16227) ، والدارمي في سننه (2677) ، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.
11-أخرجه أحمد (2730) ، والدارقطني (2852) ، وصححه الألباني في غاية المرام (318) .
12-راجع الفتاوى الطبية.