الفتوى رقم: 833
السؤال:
هل الذهب المصوغ أو الحليّ سلعة أو ثمن؟
إذا كان من عروض التجارة، فهل يجوز شراؤه بالنقد المتداوَلِ نسيئةً أم يُشترط فيه أن يكون يدًا بيدٍ؟
-وسَدَّد اللهُ إجابتكم-.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فالسؤال الثاني فرعٌ مُترتِّبٌ عن السؤال الأوَّل المتمثِّل في حقيقة الحُلي والسبائك وأواني الذهب والفضَّة، هل هي من سلع عروض التجارة أم رؤوس أثمان يجري فيها حكم الربا؟
فالظاهرُ أنَّ الحلي والسبائكَ وأواني الذهب والفضة المعروضة للبيع لم تسقط عنها جوهريةُ الأثمان مهما تغيَّر شكلُها وصورتُها فهي بمَنْزِلة الدراهم المضروبة، ويدلُّ عليه حديثُ عُبادةَ بنِ الصامت رضي الله عنه مرفوعًا: « الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرُّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ » (1) ، ففي إطلاقِ الأصناف السَّتَّة في الحديث من غير تقييدٍ يدلُّ على دخول -في كلِّ صنف- جميع أنواعه فهو عمومٌ شامِلٌ للجيِّدِ والرديءِ، والصحيحِ والمكسَّر، والخالِصِ والمغشوش، والمنقوش، والحُلي والتِّبْرِ، وقد نقل النوويُّ الإجماع على هذا (2) ، ثمَّ إنَّ التفاضُلَ في الصفات سواء كان أثرًا لفعل الآدميِّ أو لم يكن لا اعتبار له في تجويز الزيادة والأجل لتبعية ربا النسيئة لربا الفضل فَكُلُّ مَا حَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ حَرُمَ فِيهِ النَّسَاءُ، فلو قوبل بها لجاز بيع الجيِّد من الذهب أو الفضَّة بالرديء منها، فلما أبطله الشرعُ دلَّ على مَنْعِ مقابلة الصفات بالزيادة فلا يتغيَّر حُكمُها بتغيُّرِ الصفة ولا الصنعة، ويدلُّ عليه حديثُ فَضَالة بن عُبيدِ رضي الله عنه قال: أُتِيَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وَهُوَ بِخَيْبَرَ، بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ -وَهِيَ مِنَ المَغَانِمِ- تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي القِلاَدَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ » (3) ، ولا يخفى أنَّ القِلادة من الحُلي وليست نقودًا مع ذلك أوجب النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم التماثلَ في الذَّهَب، فلو كان للصياغة اعتبارٌ لَمَا أبطلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عملَ الصائغ في القلادة.
ثمَّ إنَّه من جهةٍ أخرى لولا أنَّ صفةَ جوهريةِ الأثمان لا تفارقها لما حُرِّمَ اتخاذُها للاستعمال والزينة؛ ولأنَّ اتخاذ أواني الذهب والفضَّة يجب فيها الزكاة إن بلغ نِصابًا وكذلك ما اتخذته المرأةُ حُليَّا ليس لها اتخاذه كحلية السيف، أو ما ادخرته من سبائك وحلي لا على وجه الاقتناء فإن فيه الزكاة إجماعًا، أو كان حليَّا مباحًا على الأصحِّ من أقوال أهل العلم، فمتى بلغ مقدار المملوك منهما نصابًا، وحال عليه الحول، وكان مفرغًا عن الدَّين، والحاجات الأصلية وجب فيه الزكاة سواء أكانَا نقودًا أم سبائك أم تِبْرًا، لقوله تعالى: ?وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ? [التوبة: 34] فدلَّ ذلك على أنَّ السبائك والأواني لا يُخرجها شكلُها وصورتُها عن جوهرية الأثمان التي تتَّصف بها الدنانير والدراهم المضروبة ولو كانت معروضة للبيع، ولذلك لا يجوز السَّلَمُ في السبائك والأواني والحلي بالدراهم والدنانير -على الأصحِّ- لأنَّ من شرط المُسْلَمْ فيه أن يكون مؤجَّلًا، وهذا الشرط ينافي شرطَ التقابض في المجلس الواحد في المسائل الربوية. وكذلك عقد الاستصناع سواء مَن جعله نوعًا من السلم وهم من عَدَا الأحناف أو ممَّن اعتبره بيعًا وهم الأحناف فإنَّ أحكام الرِّبا يجب مراعاتها بين الشيء المصنوع والثمن المقابل له.
هذا، ولو اعترض -على ما تقرَّر ذِكْرُهُ- من أنه يجوز الاستصناع في الذهب والفضَّة استدلالًا بفعله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم من أنه: « اسْتَصْنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ، وَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَتَبِعَهُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَفَعَلُوا مَا فَعَلَ » (4) فجوابه من جهتين:
الأولى: إنه يحتمل أن يكون حكم الإباحة بفعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كان قائمًا في جواز الاستصناع في حلي الذهب والفِضَّة قبل نزول آيات تحريم الرِّبا التي كانت من آخر الآيات التي نزل بها القرآن.
الثانية: إنَّ عقد الاستصناع -خلافًا لعقد السلم- لا يجب فيه تعجيل الثمن، بل يجوز تعجيله وتأخيره إلى وقت القبض أو بعد القبض كما يجوز فيه التقسيط فيحتمل أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أخَّر الثمن إلى وقت القبض، وأجرى التقابض بين الثمن والمثمن في مجلس واحد، فانتفت فيه صورة الرِّبا المنهي عنها، إذ لا لزوم لعقد الاستصناع إلاَّ بعد تحضير المصنوع على الصفة المشروطة.
والاحتمال الأخير أقرب الوجهين لدفع التعارض بين أقواله وأفعاله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إذ الواجب درء التعارض بين أدلة الشرع ما أمكن وقد قال عليه الصلاة والسلام: « إِنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ » (5) .
وعليه، فإن تغير التِّبْرِ والفضَّة وانقلابهما إلى عروض التجارة أو أثمان قيم فإنَّ الرِّبا يجري فيهما ما دام كلٌّ منهما يتَّصف بجوهرية الأثمان أو رؤوس الأثمان ولا يَرِدُ حكم المنع إلاَّ بشرطه فيوجد الحكم كُلَّمَا وُجدت العِلة المتمثِّلة في النقدية أو الثمنية وينتفي بانتفائها على مسلك الطرد والعكس.
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 06 رجب 1419ه
الموافق ل: 27 أكتوبر 1998م
1-أخرجه مسلم في «المساقاة » ، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا: (4063) ، وأبو داود في «البيوع » ، باب في الصرف: (3350) ، والنسائي في «البيوع » ، باب بيع البر بالبر: (4561) ، والدارمي في «سننه » : (2481) ، وابن حبان في «صحيحه » : (5018) ، وأحمد في «مسنده » : (22175) ، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
2- «شرح صحيح مسلم » للنووي: (11/10) . قال ابن حجر في الفتح: (4/378) : « والذهب يطلق على جميع أنواعه المضروبة وغيرها، والورق الفضة... والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبة وغير مضروبة » .
قلت: ولا يعلم من فرَّق بين أنواع الذهب والفضَّة -في حدود علمي- من جهة جريان أحكام الرِّبا فيها إلاَّ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى وقد سُبِقُوا بالإجماع المنقول عن ابن عبد البَرِّ والنووي، قال ابن حجر في «فتح الباري » : (4/380) : « ونقل النووي تبعًا لغيره في ذلك الإجماع » .
3-أخرجه مسلم في «المساقاة » ، باب بيع القلادة فيها خرز وذهب: (4075) ، وأبو داود في «البيوع » ، باب في حلية السيف تباع بالدراهم: (3353) ، وأحمد في «مسنده » : (23448) ، من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه.
4-أخرجه البخاري في «اللباس » ، باب خاتم الفضة: (5528) ، والنسائي في «الزينة » ، باب طرح الخاتم وترك لبسه: (5292) ، وأحمد في «مسنده » : (6295) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
5-أخرجه أحمد في «مسنده » : (6663) ، والبيهقي في «شعب الإيمان » : (2258) ، والطبراني في «الأوسط » : (3/227) ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، والحديث حسنه العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء » : (2/285) ، والألباني في «المشكاة » : (1/80) ، وصحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد » : (11/26) .