الفتوى رقم: 346
السؤال: بناء على الفوائد التي تستغرقها مسائلكم الأصولية منها والفقهية ولعظيم أثرها نوجه إليكم هذه المسألة التي طالت من غير طائل بين العلماء لترشدونا إلى ما هو صواب, والله يجزيكم خيرا.
-هل الأمر بالشيء هو أمر بلوازمه ومقدماته، ولا يخفى أنّ مقدمة الأمر لا تخلو أن تكون شرطا أو سبيا ويكون ذلك بطريق اللزوم العقلي ؟
-أم أنّ إثبات شرطية اللّوازم أو سببيتها لا تتمّ إلاّ بدليل مستقلّ دال على الشرطية أو السبيبة؟
-وإطلاق القول"بالأمر بالشيء أمر بلوازمه"ألا يؤدي هذا إلى إثبات ما لا دليل عليه؟
-إنّ القول بفورية فعل المأمور على سبيل الأحوط والأولى ألا يتنافى ووضع اللغة إذ السيّد لو أمر عبده فلم يمتثل فعاقبه لم يكن له عذر بأنّ الأمر على التراخي؟
الجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
"فالأمر بالشيء أمر بلوازمه"، ولوازم الأمر بالشيء الوسائل والمقدمات المحققة له والطرق الميسرة لوقوعه, والأمور التي تتوقف الأحكام عليها من شروط ولوازم ومتمّمات, ومن بين وسائله ولوازمه ومتمّماته انتفاء المانع والأضداد, ومثاله قوله تعالى: ?اقرأ وربك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم? [العلق3-4-5] .
قال ابن تيمية رحمه الله:"فخصّ التعليم للإنسان بعد التعليم بالقلم، وذكر القلم لأنّ التعليم بالقلم هو الخط، وهو مستلزم لتعليم اللفظ، فإنّ الخط يطابقه، وتعليم اللفظ هو البيان، وهو مستلزم لتعليم العلم، لأنّ العبارة تطابق المعنى, فصار تعليمه بالقلم مستلزما للمراتب الثلاث: اللّفظي والعلمي والرسمي بخلاف ما لو أطلق التعليم أو ذكر تعليم العلم فقط لم يكن مستوعبا للمراتب"ولابن القيم كلام نحو هذا (1) .
والأمر بالشيء مقصود به في الأصل, ولوازمه مأمور بها بالتبع, وتوابع الشيء لها أحكام المقاصد، لأنّ وسيلة المقصود تابعة للمقصود, وكلاهما مقصود، غير أنّ الأول مقصود قصد الغايات يذم ويعاقب على تركه, والثاني مقصود قصد الوسائل وإن اتّصف باللزوم فلا يعاقب على تركه, لأنّ العقوبة على الترك إنّما تترتب على ترك المقصود بالأمر على ترك لا على ترك اللوازم وفعل الأضداد, وكذلك النّهى فإنّ لوازم النّهي نهي عن الطرق والوسائل المؤدية إليه, والذرائع الميسرة لوقوعه, والنّهي فرع عن الأمر, لأنّ الأمر هو طلب الفعل، والطلب قد يكون للفعل أو للترك والترك على الصحيح فعل, غاية ما في الأمر أنّ النّهي خص باسم خاص.
وعليه فإنّ الأمر بالشيء يستلزم جميع ما يتوقف عليه فعل المأمور به عند جمهور الأصوليين، لأنّ لوازم الأمر لو لم تكن واجبة لجاز للمكلّف تركها, ولو جاز تركها لساغ له ترك الواجب، ولو جاز له ترك الواجب لم يكن واجبا, ومثاله ما لو أمر السيّد عبده بأداء عمل فوق السطح فإنّ العبد مأمور بالصعود الذي هو سبب، ونَصْبِ السُّلَّم الذي هو شرط، والأمر المطلق بالصعود على السطح يوجب نصب السلم والصعود عليه، بمعنى أنّ الواجب لا يأتي إلاّ بالشرط والسبب فيكون كلّ واحد منهما واجبا عند الجمهور، وسواء كان السبب شرعيا أو عقليا أو عاديا (2) ، وتعرف المسألة"بمقدمة الواجب"وهي المتمثلة في قاعدة: ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب، ذلك لأنّ الذي يتوقف عليه إيقاع الواجب كالسعي إلى الجمعة والطهارة للصلاة فهي مقدمة الواجب واجبة قصدا, بالنص وبالقاعدة السابقة.
إفراز المال لإخراج الزكاة واجب بالقاعدة السالفة البيان وليس بواجب قصدا, بخلاف ما لا يتمّ الوجوب إلاّ به فهو غير واجب لتوقف عليه وجوب الواجب, فوجوب الحج لا يتمّ إلاّ بالاستطاعة، ووجوب الزكاة لا يتمّ إلاّ بملك النصاب،
ولا يجب على المكلّف تحصيل الاستطاعة ولا ملك النصاب مع أنّهما من لوازم الحج والزكاة المأمور بهما, لأنّ ما لا يتمّ الوجوب إلا به يتوقف عليه وجوب الواجب .
فإن فهم هذا فلا يشترط للآمر بالفعل قصد طلب لوازمه، وإن علم أنّه يلزم وجودها مع فعل المأمور, ومن هذا يتضح ثبوت قاعدة: الأمر بالشيء أمر بلوازمه بطريق اللزوم العقلي لا بطريق قصد الآمر, ولا يُقال إنّ إطلاق القول بالأمر بالشيء أمر بلوازمه يؤدي إلى إثبات ما لا دليل عليه، لأنّ الدليل العقلي معتبر عند أهل الشرع، إذ العقل شرط في معرفة العلم وسلامته شرط في التكليف, والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح أبدا وهو موافق له, بل هو المُدرِك لحجة الله على خلقه, والشرع قد دلّ على الأدلة العقلية وبيّنها ونبّه عليها كما قرر ابن تيمية وابن القيم في الصواعق (3) ، ولهذا لم يرد في كلام الأولين من سلف هذه الأمّة ما يدلّ على معارضة العقل والنقل فضلا عن القول بوجوب تقديم العقل على النقل.
ولا يتنافى في القول بفورية المأمور به على سبيل الاحتياط مع وضع اللّغة, لأنّ مضمون الاحتياط هو السلامة من الخطر والجزم ببراءة الذمّة ولا يكون ذلك إلاّ بالمبادرة إلى الفعل وفورية العمل به لذلك كان أقرب لتحقيق مقتضى الأمر الواجب, وعند أهل التحقيق يرون أنّ الأمر المطلق لا يقتضي فورا و لا تراخيا لتقيده بالفورية أحيانا، كما لو قال السيّد لعبده:"سافر الآن"وبالتراخي أحيانا أخرى كما لو قال:"سافر رأس الشهر"فإذا أمره بأمر مطلق خال من تقييد بفور أو تراخ فيكون محتملا للأمرين معًا، وما كان محتملا لهما فلا يكون مقتضيا لواحد منهما بعينه, لذلك كان الاحتياط في المبادرة إلى الفعل أسلم من الخطر وأقطع لبراءة الذمّة، الأمر الذي يتوافق ووضع اللغة على الفورية والمبادرة، لأنّ السيّد لو أمر عبده فلم يمتثل فعاقبه لم يكن له أن يعتذر بأنّ الأمر على التراخي فالأحوط له السلامة من الخطر بالمبادرة التي تشهد لها ظواهر النصوص كقوله تعالى: ?فاستبقوا الخيرات? [البقرة148.المائدة48] وقوله عز وجلّ: ?وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم? [آل عمران133] .
والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما
الجزائر: 13 ربيع الثاني 1418ه
الموافق ل: 17 أوت 1997م
1-انظر مفتاح دار السعادة: 243/1.
2-انظر: التمهيد للكلواذاني:322/1، شرح تنقيح الفصول للقرافي:161، الإبهاج للسبكي وابنه:110/1، مفتاح الوصول للتلمساني:404، التمهيد للإسنوي:83، حاشية البناني على جمع الجوامع:195/1.
3-انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية:28/1-78، مجموع الفتاوى لابن تيمية:137/13، الصواعق المرسلة:459/2.