فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 995

الفتوى رقم: 722

السؤال:

ما حكم مَن شرع في الصلاة بالتيمّم لانعدام الماء، ثمّ عَلِمَ بوجودِهِ أثناءَ الصلاة؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فقد اتّفق العلماءُ على أنّ المتيمِّمَ إذا وجد الماءَ قبل الصلاةِ بَطَلَ تيمُّمُه ووجب عليه استعمالُ الماء، وكذلك إذا لم يجدِ الماءَ قبلَ الصلاةِ جاز له الدخولُ فيها، وكانت صلاتُه صحيحةً إذا أتَمَّها ولم يجد الماء خلالَهَا.

أمّا من صلّى بالتيمّم ثمّ وجد الماءَ بعد الفراغ من الصلاة وقبلَ خروجِ الوقتِ، فلا إعادةَ عليه على أظهر أقوال أهل العلم، وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ وداودُ وأصحابُه وابنُ خزيمة وابنُ تيمية واختاره الشوكانيُّ، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفرٍ، فَحَضَرَتِ الصلاةُ وليس معهما ماءٌ، فتيمَّمَا صعيدًا طيِّبًا، فصلَّيا، ثمّ وَجَدَا الماءَ في الوقت، فأعاد أحدُهما الصلاةَ والوضوءَ، ولم يُعِدِ الآخرُ، ثمّ أَتَيَا رسولَ الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فذكرَا ذلك له، فقال للذي لم يُعِد: « أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلاَتُكَ » ، وقال للذي توضّأ وأعاد: « لَكَ اْلأَجْرُ مَرَّتَيْنِ » (1) .

قلت: ولعلّ الثاني أخطأ السُّنَّة من ناحية تَعَيُّنِها في الأوّل بقوله: « أَصَبْتَ السُّنَّةَ » ، إذ الصلاة في اليوم مرّتين منهيٌّ عنها، كما صحّ مرفوعًا: « لاَ تُصَلُّوا الصَّلاَةَ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ » (3) ورجّحه ابن القيّم (5) .

ومبنى هذه المسألة على القول ب «اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ » (7) ، ومبناها -أيضًا-: « إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ، ثُمَّ حَدَثَ فِي المُجْمَعِ عَلَيْهِ صِفَةٌ، فَهَلْ يُسْتَدَلُّ بِالإِجْمَاعِ فِيهِ مِنْ قَبْلِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الصِّفَةِ؟ أَمْ لِلاجْتِهَادِ فِيهِ مَجَالٌ بَعْدَ حُدُوثِ الصِّفَةِ؟ » .

وغايةُ ما يُستدِلُّ به المجوِّزون لهذا الاستصحاب: أنّ الإجماعَ قد انعقد على صحّة صلاته حالةَ الشروع، والدليلُ الدالُّ على صحّةِ الشروعِ دالٌّ على دوامه إلاّ أن يقوم دليلُ الانقطاع، وهذا مدفوعٌ بأنّ الإجماع إنّما دلَّ على الدوام فيها حالَ عدم الماء، أمّا مع وجوده فإنّ الإجماعَ مُنْتَفٍ، إذ لا إجماعَ مع الاختلاف، فيتعذّر استصحابُه عند انتفائه لاستحالته، فحُكمه كالعقل الدالِّ على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع.

ولأنّه من جهة أخرى يؤدّي القول باستصحاب حكم الإجماع في محلّ الخلاف إلى تكافؤ الأدلّة، بحيث يحتجّ بها كلّ خصم على ما يوافق مذهبه، كأن يستدلّ على استصحاب صحّة الصلاة قبل رؤية الماء إلى ما بعد رؤيته على صحّتها، ويستدلّ الآخر على الإجماع على بطلانها عند رؤية الماء قبل الصلاة، فيستصحبها إلى أثناء الصلاة فتكون باطلة، إذ كلّ دليل يضادّه نفس الخلاف لا يمكن استصحابه معه.

وعليه فالمذهب الأقوى أنّه لا يُستصحَب الإجماع في محلّ الخلاف، وبه قال أكثرُ أهلِ العلم، وعليه فإنّ التيمُّمَ يَبطُلُ فلا يستمرُّ في الصلاة بل لا بدّ من الطهارة المائية، ثمّ إنّ التيمّم ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة، كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها (8) .

ويؤيّده حديث أبي ذرّ رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: « إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَمَسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ » (9) ، فالحديث مُطلَقٌ على وجوب الإعادة فِيمَن وجده بعد الوقت، ومَن وجده قبل خروجه وحال الصلاة وبعدها، وتتقيّد صورةُ مَن وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة بحديث أبي سعيد الخدري المتقدّم (10) ، ولا يشكل على الاستدلال بهذا الحديث قوله: « فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ » على عدم وجوب المدّعى، لأنّه لا يلزم من ذكر لفظ «خير » عدم الوجوب، كما قال تعالى: ( وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ) (11) ، إذ الإيمان فرض، وعبّر عنه بلفظ «خير » ، وهو أعمّ من أن يحدث منافاة بينهما.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 10 شعبان 1428ه

الموافق ل: 23 أغسطس 2007م

1- «صحيح سنن أبي داود » : (327) .

2- «نيل الأوطار » للشوكاني: (1/388) .

3- «صحيح سنن أبي داود » : (540) .

4- «الموطّأ » لمالك: (1/55) ، «الأمّ » للشافعي: (1/41) .

5- «إعلام الموقّعين » : (1/343) .

6- «حاشية ابن عابدين » : (1/255) ، «المغني » لابن قدامة: (1/197) .

7-انظر المسألة في: « تخريج الفروع على الأصول » للزنجاني: (21) ، «المستصفى » للغزالي: (1/128) ، «روضة الناظر » لابن قدامة: (1/392-393) ، «مذكّرة الشنقيطي » : (160) .

8- «المغني » : (1/198) ، «فتح القدير » : (1/92) .

9-أخرجه أبو داود في «الطهارة » ، باب الجنب يتيمم: (332) ، والنسائي في «الطهارة » ،باب الصلوات بتيمم واحد: (322) ، والحاكم في «المستدرك » : (627) ، وأحمد (20863) ، من حديث أبي ذر رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع » : (3861) .

10- «نيل الأوطار » للشوكاني: (1/400) .

11-جزء من آية 110 من سورة آل عمران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت