الفتوى رقم: 454
السؤال: متى يؤخذ بمسألة واقعة العين؟ وما هي المراجع التي بحَثتْها؟
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فاعلم أنَّ مسألة واقعة عين لم ترد في الدراسات الأصولية بهذه التسمية، وإنما هي مسألة أصولية مندرجة تحت أبواب مسائل العموم، وتعرف عند الأصوليين بـ:"الخطاب الخاص بواحد من الأمة هل يختص بالمخاطَب من جهة اللغة أم يشمل غيره من الأمة؟".
وفي تحرير محل النزاع في هذه المسألة إذا لم يصرح بالاختصاص بالمخاطَب، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بُردة:"اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" (1) فلاشكَّ في اختصاصه بالمخاطَب، وهو مبني على تخصيص العموم بعد التخصيص، وفائدته: نفي احتمال الشركة قطعًا للإلحاق بالقياس، وكذلك إذا لم يصرح بالعلة المعلقة على حكم التخصيص، فإذا وقع التصريح بالعلة التي من أجلها وقع الأمر بالشيء أو النهي عنه أو الإذن فيه، فإنه يعم بعموم العلة، وكذلك يعم المخاطب وغيره إذا ما قام الدليل على وجوب التعميم، واختلفوا فيما عدا ذلك أي أنَّ النزاع في نفس صيغة الخطاب الخاص هل تعم بمجردها أم لا تعم؟.
والصحيح من أقوال أهل العلم أنَّ الخطاب الخاص لا يتناول إلا المخاطب من حيث الصيغة اللغوية، أمَّا من حيث الدليل الخارجي فإنّه يتناول غيره أيضا، لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبعوث للجميع لقوله تعالى: ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ? [سبأ: 28] ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ" (2) ، وقد رجع الصحابة رضي الله عنهم إلى التمسك بقضايا الأعيان، كقضية ماعز، ودية الجنين، والمفوِّضة، والسكنى للمبتوتة، وما إلى ذلك من وقائع الأعيان الخاصة بالواحد أو بالجماعة المخصوصة، فقد ثبت عنهم رضي الله عنهم استدلالهم بها على ثبوت ذلك لسائر الأمة، فكان عمل الصحابة مع النصوص الشرعية القاضية بعموم الرسالة دليل على استواء الأمة في الأحكام الشرعية فيلحق غيره بالمخاطب به، وعليه فإنّ الحكم بالتعميم عند إطلاق الخطاب الخاص يشمل للمخاطب وغيره حتى يقوم دليل التخصيص، وإنما دلَّ ذلك بالدليل الخارجي، لا من جهة الصيغة اللغوية، والعلم عند الله تعالى."
أمَّا مصادر هذه المسألة فيمكن أن أرتبها على الوجه التالي:
العدة لأبي يعلى: 1/318، 331. البرهان للجويني: 1/370. الإحكام للآمدي: 2/263. البلبل للطوفي: 92. مختصر ابن الحاجب والعضد عليه: 2/123. البحر المحيط للزركشي: 3/189. فواتح الرحموت للأنصاري: 1/280. تيسير التحرير لبادا شاه: 1/252. جمع الجوامع لابن السبكي: 1/429. شرح الكوكب المنير للفتوحي: 3/223. إرشاد الفحول للشوكاني: 130.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في: 14 جمادى الأولى 1427ه
الموافق ل: 10 جوان 2006م
1-أخرجه البخاري في الأضاحي (5545) ، ومسلم في الأضاحي (5185) ، وأبو داود في الضحايا (2803) ، والنسائي في صلاة العيدين (1574) ، وأحمد (19204) ، والبيهقي (19583) ، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.
2-أخرجه ابن حبان (6462) ، وأحمد (14635) ، والدارمي في سننه (2522) ،من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وأخرجه الحميدي في مسنده (992) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه ابن حجر في"موافقة الخبر الخبر" (1/525) ، وأحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد (4/261) ، والألباني في الإرواء (1/316) .