فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 995

الفتوى رقم: 309

السؤال: تملك جدتي (16) قطعة ذهبية وأبناؤها سبعة ذكور وبنتان، وحيث إنّ أولادها الذكور قصَّروا في معاملتها من طرف زوجاتهم! (كذا) فأعطت القطع الذهبية لأحفادها وبناتها وبقي أربعة أبناء غير متزوجين لم ينالوا حقّهم، ماذا يترتب عليها؟ وهل يجب أن تعطيهم أم لا؟ علما أنّها في حالة غضب وأقسمت ألاّ تعطي أولادها وأعطت الأحفاد، فما حكم ما عملت جدّتي جزاكم الله خيرا ؟

الجواب: الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

فاعلم أنّ التسوية بين الأولاد في العطايا والهبات محلّ اتفاق بين العلماء لما فيه من تحقيق العدل، وتصفية القلوب من الضغينة والحقد والعداوة والقطيعة، وإشعارهم بالمودّة والإخاء، حتى نقل عن السلف أنّهم كانوا يسوُّون بين أولادهم في القُبَل.

هذا، والعلماء وإن كانوا يختلفون في حكم التسوية بين الوجوب والاستحباب، إلاّ أنّ المذهب الراحج من حمل نصوص الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن على وجوب التسوية بين الأولاد وتحريم التفضيل بينهم وتخصيص بعضهم وهو مذهب أحمد وبعض أهل الحديث وأهل الظاهر، والمشهور من هذا المذهب بطلان الهبة أو العطية المجرّدة عن التسوية بين الأولاد، وذلك لما اتفق عليه الشيخان من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة:"لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم"فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله"فقال"أعطيت سائر ولدك مثل هذا"قال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"قال"فرجع فردّ عطيته" (1) وفي رواية:"كلّ بنيك نحلت؟" (2) وفي رواية:"لا أشهد على جور" (3) "أشهد على هذا غيري" (4) ،"سووا بين أولادكم"، ففي هذا الحديث اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم عملًا منافياًَ للتقوى لما فيه من الجور والظلم، وما كان كذلك فالأصل فيه المنع، ولمجيء الأمر بالعدل معرّى عن قرينة صارفة، وأوامره بهذا الشكل تفيد الوجوب، ثمّ إنّ قوله صلى الله عليه وسلم للبشير بن سعد رضي الله عنه"فاردده" (5) وفي رواية"فارتجعه" (6) أي على العطية ممّا يدلّ على بطلانها، ولو لم تكن الهبة بهذه الصورة ممنوعة لما كانت باطلة.

فالحاصل أنَّ ما أعطت هذه الجدّة لبناتها وأحفادها إمّا أن يكون لموضع الحاجة فيجوز ولكن يقدّر بقدرها، أو لكونهم أنفقوا عليها من مالهم، وأرادوا الرجوع فلها أن تعطيهم من مالها في حدود ما أنفقوا عليها، لأنّ نفقة الوالدين من مالهما، وإن كانت عطيّتها لبعض الأولاد وحرمان البعض الآخر فإنّ هذا الفعل باطل لما فيه من الظلم والجور كما تقدّم في الحديث ويؤدّي إلى العقوق وقطيعة الرحم وما أدّى إلى حرام فحرام، لأنّ الوسائل لها حكم المقاصد.

فالواجب أن تردّها وترجعها ما لم تكن لها إرادة في أن تسوي الأمر مع بقية أولادها المحرومين، أو رضي أولادها المحرومون بهذا التفضيل أو التخصيص فتصحّ في هذه الحالة ما وهبته لهم، أمّا إذا لم تكن لها إرادة التسوية أو لم يرض أبناؤها المحرومون وجب عليها أن ترتجع الهبة وتكفّر عن يمينها لقوله تعالى:? ولَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيٍكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ? [المائدة 89] .

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.

1-متفق عليه: البخاري كتاب الهبة باب الإشهاد في الهبة (2587) ، ومسلم كتاب الهبات (4267) ، والبيهقي (12351) ، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

2-أخرجه النسائي في النحل (3679) ، والبيهقي (12358) .

3-أخرجه البخاري الشهادات (2650) ، ومسلم في الهبات (4269) ، والنسائي في النحل (3682) ، وأحمد (18860) .

4-أخرجه البيهقي (12360) .

5-أخرجه مسلم في الهبات (4263) ، والنسائي في النحل (3677) ، وابن ماجه (2376) ، وأحمد (18879) ، والحميدي في المسند (968) ، والبيهقي (12350) .

6-أخرجه البخاري في الهبة (2586) ، ومسلم في الهبات (4262) ، والنسائي في النحل (3688) ، وابن حبان (5100) ، والبيهقي (12349) ، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت