فهرس الكتاب

الصفحة 675 من 995

الفتوى رقم: 874

السؤال:

أعمل كهربائي المنازل، وليست لي حرفة أخرى، وقد أوقعني بعضُ الإخوة في حيرة، حيث أخبروني بأنّ عملي قد يكون حرامًا، وحُجتهم أنَّ غالبية العائلات تقتني التلفاز والهوائي وغيرها مما يستعمل في الحرام، وبعضهم أخبرني بأن العبرة بالغالب، والغالبُ استعمالها فيما هو حلال.

فأرجو جوابًا شافيا لحالتي، وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فاعلم أنَّ أصْحابَ المِهَنِ الحُرَّة والصنَاعَاتِ والحِرَف والوظَائفِ العامَّةِ إنْ باشَرُوا عملَهُم في أَصلٍِ مشروعٍ خالٍ من مُحَرَّماتٍ ومُنكراتٍ، أو أَعَانُوا عليهِ علَى وَجْهٍ تَسُدُّ حَاجَةَ المجتَمَعِ، أَو تَجْلُبُ لهم نَفعًا حقيقيًّا فهو عملٌ صالحٌ، وكسبٌ حلالٌ، وتعاونٌ على الخيرِ.

أمَّا إذَا كَانَ مِن شَأْنِ هذهِ المِهَنِ والحِرَفِ والصنَاعَاتِ وَالوظَائِفِ مباشَرَةُ الحَرامِ أو الظُلْمِ أو الفَسَادِ فلا يَجُوزُ العملُ فيهَا وَلا الإعَانَةُ عليهَا، فالتعَاوُنُ على مَا أَصْلُه مُحرَّمٌ أَو شَرٌّ مَحْضٌ أَو فَسَادٌ ظاهِرٌ تعاونٌ على الإثْمِ والعُدْوانِ، لقوله تعالى: ?وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ? [المائدة: 2] ، كالتعَاوُنِ على عَمَلٍ رِبَوِيٍّ، أَوْ نَادٍ للرَّقْصِ واللَّهْوِ والفُجُورِ، أوْ مَحَلٍّ للخَمْرِ والمخَدِّرَاتِ، أو قَاعَاتٍ للفُنُونِ الجِنْسِيَةِ، والأفْلامِ الماجِنَةِ والخَلِيعَةِ، وأمَاكِنِ كَشْفِ العَوْراتِ، أو مَصَانِعَ للتدْخِينِ والتِّبْغِ وصناعَةِ التمَاثِيلِ ونحو ذَلكَ، فالتحريمُ يشْملُ كلَّ مَنْ شَارَكَ فيهِ بِجُهْدٍ مادِيٍّ أَوْ أَدَبِيٍّ أَوْ أَعَانَ عليهِ، وكُلُّ كَسْبٍ يأْتِي بهذه الطرِيقِ فهُو سُحْتٌ خَبِيثٌ، و «كُلُّ لحمٍ نبتَ مِن سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى به » (1) ، ولاَ يعفى من الإثم من لا يباشر الحرام ولا يقترفه إن أعان عليه؛ لأنَّ الإعانة على الإثم إثمٌ، ولهذا لعن النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم آكلَ الرِّبا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: « هُمْ سَوَاءٌ » (2) -أي: في الوزر- ولعن عاصرَ الخمر وحامِلَها والمحمولةَ إليه، وعمومَ المتعاونين عليها كما لعن شاربَها (3) .

أمَّا إذا اقترن بعمل مشروع مفاسدُ محتملةٌ أو نادرةُ الوقوع أو مستبعدة، أو تكون منغمرةً تحت أصل عملِه الحلال؛ فإنَّ العبرة فيها بالغالب ولا حُكم للنادر، فإن قويت عنده شُبهة المفاسد والمحرمات التي يَرِقُ فيها الدِّين، ويضْعفُ فيهَا اليَقِينُ، فإن كانت قابلة للانفكاك والتجزئة فيما لا علاقة له بالشبهة القوية عمل فيما اطمأنت نفسه من الحلال البين وإن كانت لا تقبل التجزئة أولها علاقة بمحل الشبهة فالوَاجِبُ علَى المسْلِمِ أنْ يَكُونَ بِمَنْأَى عَنْ مَوَاطِنِ الشُبُهَاتِ ولَوْ كَانَ فيهَا الكَسْبُ ثَمِينًا وَفِيرًا، عَمَلًا بقَوْلِهِ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهُاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ » (4) ولقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ » (5)

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 24 ربيع الأول 1429ه

الموافق ل: 31 مارس 2008م

1-أخرجه الترمذي في «سننه » كتاب العيدين، باب ما ذكر في فضل الصلاة: (614) ، والدارمي في «سننه » : (2674) ، من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه » : (1723) ، والحاكم في «المستدرك » : (8302) ، وأحمد في «مسنده » : (14032) ، من حديث جابر رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة » : (6/214) ، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند » : (260) .

2-أخرجه مسلم في «صحيحه » كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا ومؤكله: (4093) ، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

3-أخرجه أبو داود في «سننه » كتاب الأشربة، باب العنب يعصر للخمر: (3674) ، وابن ماجه في «سننه » كتاب الأشربة، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه: (3380) ، وأحمد في «مسنده » : (4772) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والترمذي في «سننه » كتاب البيوع، باب النهي أن يتخذ الخمر خلا: (1295) ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. والحديث صححه ابن الملقن في «البدر المنير » : (8/699) ، والألباني في «إرواء الغليل » : (2385) ، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند » : (59) .

4-أخرجه البخاري في «صحيحه » كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه: (50) ، ومسلم في «صحيحه » كتاب المساقاة: (4094) ، وأبو داود في «سننه » كتاب البيوع، باب في اجتناب الشبهات: (3330) ، والترمذي في «سننه » كتاب البيوع، باب: ما جاء في ترك الشبهات: (1205) ، وابن ماجه في «سننه » كتاب الفتن، باب الوقوف عند الشبهات: (3984) ، والدارمي في «سننه » : (2436) ، وأحمد في «مسنده » : (17907) ، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

5-أخرجه الترمذي في «سننه » كتاب صفة القيامة والرقائق والورع: (2518) ، والنسائي في «سننه » كتاب الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات: (5711) ، وابن حبان في «صحيحه » : (722) ، والدارمي في «سننه » : (2437) ، والحاكم في «المستدرك » : (2169) ، وأحمد في «مسنده » : (1729) ، من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما، والحديث صححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد » (3/169) والألباني في «الإرواء » : (12) ، وفي «صحيح الجامع » : (3373) ، والوادعي في «الصحيح المسند » (318) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت