الفتوى رقم: 21
السؤال: ذكر سماحة الشيخ ابن باز:'' أنّ دعاء الصفة لا يجوز قولًا واحدًا لأهل السنة '' كيف نجمع بين هذا الكلام وحديث النبي صلى الله عليه وسلم:"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" (1) ؟.
الجواب: الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فاعلم أنّ الرحمة المضافة إلى الله تعالى على قسمين:
-إضافة المفعول إلى الفاعل، أو إضافة المخلوق إلى الخالق، فهي رحمة مخلوقة، ومنه قوله تعالى: ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا ) [فصلت:50] ، وقولُه تعالى: ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ) [هود:9] ، ومنه تسمية المطر رحمةً كقوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) [الأعراف:57] ، وفي الحديث:"احتجّت الجنة والنار، فقالت النار: فِيَّ الجبّارون والمتكبِّرون، وقالت الجَنَّة: فِيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنّك الجنة رحمتي أرحم بكِ من أشاء، وإنّك النار عذابي أعذب بكِ من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها" (2) ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"أنزل رحمةً من رحمتك" (3) .
-وأمّا القسم الثاني فهو مضاف إليه إضافة صفة إلى موصوف ومثله قوله تعالى: ( إِنّ رَحمةَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ المحسْنِينَ ) [الأعراف:56] ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"يا حيّ يا قيوم برحمتك أستغيث".
هذا، والدعاء بصفة من صفات الله تعالى المضافة إليه كالرحمة والقوة والعزة والكلام لا يجوز ذلك شرعًا، والمتعبّد بصفة من صفاته لم يكن متعبّدًا لله عز وجل الموصوف بجميع الصفات؛ لأنّ الصفة غير الموصوف، فعزة الله ليست هي الله عز وجل، والعبد مأمور بعبادة رب العالمين كما قال تعالى: ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِين ) [الأنعام:162] . وإذا كان هذا غير جائز في الصفة المضافة إلى موصوف فإنّ الدعاء بالصفة المخلوقة من باب أولى في التحريم و المنع باعتبار كونه شركًا.
وهنا ينبغي لَفتُ النظر إلى أنّ الصفة إن أُوتِي بها لوحدها في الدعاء أو كانت مضافة إلى لفظ الجلالة، ويدعو العبد بتلك الصفة على أنّها هي الفاعلة دون الموصوف فلا يجوز، كقول القائل: (يا عزة الله أعزيني) ، (يا قوة الله قويني) ، (يا رحمة الله ارحميني) ، فكانت الصفة هاهنا هي الفاعلة والمؤثِّرة دون الموصوف، لأنّ التعبد بصفة من صفاته لم يكن متعبّدا لله تعالى، لأنّ الله تعالى موصوف بجميع الصفات كما في حديث:"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث"، فلا يُفهم منها أنّ الصفة هي الفاعلة دون الموصوف وإنّما المؤثِّر هو الله تعالى المُتَّصِف بصفات الكمال منها الحياة والقيومية وهي من أسمائه سبحانه وتعالى.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليما.
1-أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (46) ، وكذا النسائي (381/570) ، والبزار في مسنده (4/25/3107) ، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها:"ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ أن تقولي إذا اصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث وأصلح لي شأني كلّه ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا"، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/449) .
2-أخرجه مسلم في الجنة (2847) ، وأحمد (12073) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
3-أخرجه أبو داود في الطب (4892) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5422) .