الفتوى رقم: 912
السؤال:
هل تسقط الزكاة على من أخطأ في دفعها، فأعطاها إلى غير المستحقِّين لها؟ وخاصَّة إذا كان إخراجها بناءً على فتوى بعض أئمَّة المساجد؟ فيُرجى التوضيح والتفصيل إن أمكن وجزاكم الله خيرًا.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فالواجبُ على المسلم التثبُّت من دفع الزكاة، فلو دفع زكاته لمن يظنُّه مُستحِقًّا لها فأعطاها خطأ وهو لا يعلم بحقيقة أمره، اكتفاءً بظاهر حاله، أو بتوجيهٍ ممَّن يعرف حالَه، فبان غيرَ مستحِقٍّ لها؛ فإنَّ الزكاة تسقُط عنه، لحديث مَعْنٍ بنِ يزيد رضي الله عنه قال: «بَايَعْتُ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنا وأبي وجدِّي، وخطب عليَّ فأنكحني وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدَّق بها، فوضعها عند رجلٍ في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، فقال: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ» (1) ، وبوَّب له البخاري: «باب إذا تصدّق على ابنه وهو لا يشعر» (2) ، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَةٍ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَةٍ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، اللَّهمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ» (3) ، والحديث بوَّب له البخاريُّ: «باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم» (4) ، أي: فصدقته مقبولة (5) .
هذا، ويلحقُ الحكمُ -أيضًا- بما أفتاه له المفتي من صِحة إخراج الزكاة لبعض الأصناف فأخرجها بناءً على الفتوى، ثمَّ تبيَّن له خطؤُها فإنه تسقط عنه الزكاة، ولا يُطالَب بإعادةِ إخراجها، اكتفاءً بغلبةِ الظنِّ، وله ما نوى، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (6) ، وهذا بخلاف العالمِ بعدمِ أهلية السائل فلا تسقط عنه، ولا يخرج من عهدة الامتثال إلاَّ بإخراجها لأهلها، لما أخرجه أبو داود وغيره: «أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلاَهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا النَّظَر وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ (7) ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوٍّي مُكْتَسِبْ» (8) .
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 16 جمادى الأولى 1429ه
الموافق ل: 21/05/2008م
1-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الزكاة، باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر: (1356) ، والدارمي في «سننه» : (1595) ، وأحمد في «مسنده» : (15433) ، من حديث معن بن يزيد رضي الله عنه.
2- «صحيح البخاري بشرح فتح الباري» : (3/291) .
3-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الزكاة، باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم: (1355) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب الزكاة، باب ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد فاسق ونحوه: (2362) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
4- «صحيح البخاري بشرح فتح الباري» : (3/290) .
5- «فتح الباري» لابن حجر: (3/290) .
6-أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله: (1) ، ومسلم في «صحيحه» كتاب الإمارة، باب قوله إنما الأعمال بالنية: (4927) ، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
7-الجَلَد: القوة والصبر. [ «النهاية» لابن الأثير: (1/284) ] .
8-أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغني: (1633) ، والنسائي في «سننه» ، كتاب الزكاة، باب مسألة القوي المكتسب: (2598) ، وأحمد في «مسنده» : (17511) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» : (13436) ، من حديث عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه. قال صاحب"التنقيح": حديث صحيح، ورواته ثقات، قال الإمام أحمد رضي الله عنه: «ما أجوده من حديث هو أحسنها إسنادا» انظر: نصب الراية للزيلعي: (2/401) ، والحديث صححه الألباني في «الإرواء» : (3/381) .