الفتوى رقم: 531
السؤال: أنا امرأةٌ عجوزٌ قمتُ أيامَ شبابي بإسقاط جنيني تعدِّيًا عليه بعد مرور مدّة، ولا أذكر ثلاثةَ أو أربعة أشهر، وبقى هذا الأمر يعذِّبني ليلًا ونهارًا، فهل يسعكم من حلٍّ أو توجيهٍ يرفع عنِّي همِّي وغمِّي؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فالأصل في الإجهاض الحظرُ والمنعُ؛ لأنه جنايةٌ على موجودٍ حاصلٍ، وتكون الجنايةُ عليه في أَوَّلِ مراحلِ الوجود، وتزداد الجناية تفاحُشًا إن نُفخَ فيه الرُّوح، واستوتِ الخِلقةُ، فإن وقعت الجنايةُ عليه -بعد تمام أربعةِ أشهرٍ أي بعد مرور مِائةٍ وعشرين يومًا، وتُيُقِّنَتْ حركتُهُ- سواء عمدًا أو خطأ فإنه يستوجب التعدّي عليه الكفارةُ كحقٍّ لله، وَدِيَةٌ كحقٍّ للعبد، وتؤدَّى الكفارة بعتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد رقبةً يعتقها فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع الصيام بقي في ذمَّته على قولٍ لبعض أهل العلم، أو يتحوَّل إلى إطعام ستين مسكينًا على رأي آخر، فإن لم يستطع وجب في ذمَّته إلى أن يَسْتَطِيعَهُ، والحيضُ لا يقطع تتابُعَ صومِ المرأةِ في الكفارة، أمَّا الدِّيَةُ فتجب في مال أُمِّهِ، وهي مُقَدَّرَة بنصف عشر الدية (1) ، والدِّيَة يرثها ورثةُ الجنين كما لو قُتِلَ بعد الولادة، ولا ترث منه أمّه لجِنايتها عليه، فإن تنازلوا عنها فلا شيءَ عليها، لقوله تعالى: ?وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ? [النساء: 92] .
أمَّا إذا كان الجنين المجني عليه دون الأربعةِ أشهرٍ فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يُنفخِ الروحُ فيه بَعْدُ، والكفارة تجب في القتل الخطأ ولا يكون إلاّ من ذي روح، لكنه إذا كان مُضْغَةً بحيث تظهر فيه صورةُ الآدمي أو بعضُ أعضائه فيُعطى حكمُ الجنين من جهة وجوب الدِّيَة.
وعلى الجانية أن تتوب إلى الله وتكثر من الحسنات والطاعات، فقد ثبت أنَّ «النَّدَمَ تَوْبَةٌ » (2) ، وأنَّ «التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ » (3) ، قال تعالى: ?قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ? [الزمر: 53] .
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 17 جمادى الأولى1427ه
الموافق ل: 13 جوان 2006م
1-وهي خمس من الإبل، أو خمسون دينارًا ذهبيًّا، أو ستمائة درهم من الفضة، فهذه المقادير هي عشر دية المرأة المسلمة أو نصف عشر دية المسلم.
2-أخرجه ابن ماجه في الزهد (4252) ، وابن حبان (614) ، والحاكم (7612) ، وأحمد (3558) ، وأبو يعلى في مسنده (4969) ، والبزار في مسنده (1926) ، والطبراني في المعجم الصغير (80) ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. والحديث حسّنه ابن حجر في «فتح الباري » (13/479) ، وصحّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد » (5/194) ، والألباني في «صحيح الجامع » (6802)
3-أخرجه ابن ماجة في الزهد (4391) ، والبيهقي (21070) ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (3008) .