فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 995

الفتوى رقم: 888

السؤال:

لقد ذكر بعض أهل العلم أنَّ الراقي يجوز له أن يشترط جُعلًا على رقيته, فالرجاء منكم توضيحًا مُفصَّلًا عن اشتراط الراقي شيئًا من المال أو غيره؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فيجوز أخذُ العِوَضِ على الرُّقية على سبيل الجُعالة إن كانت شرعيةً واضحةً في عباراتها ومعانيها، فلا تشرعُ الرقية بعبارات مُنهى عنها، أو غير مفهومة أو غير معقولة المعنى خشية اختلاطها بكلام أهل الباطل، وهذا يقتضي خلوَّ الممارِس للرقية (أي: الراقي) من الصِّفات القادحة للدِّين والعدالة، بل الواجب أن يتحلَّى بسلامة العقيدة والالتزام بالهَدْيِ الظاهريِّ مع استجماع شرائطِ الدعاء ضمنَ توجُّهٍ قلبيٍّ مليءٍ بتقوى الله، والتوكُّل عليه والإخلاص له.

هذا، وإذا كان الراقي يجوز أن يأخذ الجُعل على رقياه فإنما يستحقُّ العِوض عليه فيما اشترطه بعد حصول السلامة من المرض وزوال أثره، ويدلُّ عليه ما أخرجه البخاري من حديث ابنِ عباس رضي الله عنهما: « أَنَّ نَفَرًا من أصحاب النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مَرُّوا بماءٍ فيهم لَدِيغٌ أو سَلِيمٌ، فعَرَضَ لهم رجلٌ مِنْ أهل الماء، فقال: هل فيكم مِن راقٍ؟ إنَّ في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجلٌ منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ فَبَرَأَ، فجاء بالشَّاءِ إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذتَ على كتابِ الله أجرًا، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله أَخَذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم:« إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذَتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا: كَتَابُ اللهِ » (1) .

وأخرج البخاريُّ -أيضًا- من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنَّ ناسًا من أصحاب النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أتوا على حيٍّ من أحياء العرب، فلم يَقْرُوهُمْ، فبينما هم كذلك إذ لُدِغَ سَيِّدُ أولئك، فقالوا: هل عندكم من دواءٍ أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تَقْرُونَا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشَّاءِ، فجعل يقرأ بأُمِّ القرآن، ويجمع بُزَاقَهُ ويَتْفِلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بالشَّاءِ، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، فسألوه، فضَحِكَ، وقال: « وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيِةٌ؟ خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ » (2) .

والحديث دَلَّ على مشروعية الجُعل لإقراره صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم على الاشتراط، وإسهامهم له يدلُّ على جوازه وإباحته، وهو المعروف بالوعد بالجائزة، وإنما يستحقُّ الوفاء بالوعد بعد إنجاز العمل وتحقُّق ما اشترط العاقد كما هو ظاهر من الحديث، وهذا يختلف عن الإجارة من جهة أنَّ أثر العمل في الجُعل مجهولٌ، إذ قد يحصل البرء وقد لا يحصل، ويصحُّ الجُعل من غير تعيين العامل، بينما الإجارة يجب أن يكون العمل فيها معلومًا والعامل معيَّنًا بعينه.

هذا، وتجنّبًا للخلط بين الجُعالة والإجارة، أَنَّ الرقية نوع من المداواة، والمأخوذ عليها جُعل، والمداواة يباح أخذ الأجر عليها، فالجعالة أوسع من الإجارة، ولهذا تجوز مع جهالة العمل والمدَّة.

وإذا كان استحقاق الراقي للعِوض بعد حصول البُرْءِ والسلامة من المرض جائزًا فلا ينبغي أن يُشدَّد في الاشتراط، وإنما في حدود الحاجة من غير أن يُرهِقَ المريضَ بكُلفةٍ زائدةٍ، والأَوْلَى جعل الرقية خالصةً عن أيٍّ شرطٍ أو عِوَضٍ ماليٍّ، يتقصد بها إعانةَ المسلمين، ودفعَ الأذى عنهم، وإزالةَ ما حلَّ بهم من غيرضُرٍّ مع احتساب الأجر من الله تعالى، واللهُ تعالى كفيلٌ بالرِّزق والثواب.

والجديرُ بالتنبيه أنَّ على الراقي أن يعين إخوانَه عند الحاجة والمقدرة وبالعدل، فلا يحتبس نفسه في معالجة المرضى بالرقية والتفرُّغ لها، فإنَّ الانقطاع لها والعملَ على التكسُّب بها احترافٌ لم يكن معهودًا عند سلف الأُمَّة، ولا عند أئمَّة الهُدى، مع اشتهار بعضهم بإجابة الدعاء، وقيام المقتضي في زمهنم.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 14/ربيع الثاني/1429ه

الموافق ل: 20/04/2008م

1-أخرجه البخاري في «صحيحه » كتاب الطب، باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم: (5405) ، وابن حبان في «صحيحه » : (5146) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

2-أخرجه البخاري في «صحيحه » كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب: (5404) ، ومسلم في «صحيحه » كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار: (5733) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت