فهرس الكتاب

الصفحة 918 من 995

الفتوى رقم: 389

السؤال: نرجو منكم شيخنا حفظكم الله أن تبينوا لنا الراجح من أقوال أهل العلم في المسألة الأصولية التالية: هل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تفيد العموم أو ما يجري مجرى الأفعال (كالأحوال الخاصة) ، لأنّ من العلماء من قال بعدم عمومه بدعوى أن العموم من عوارض الألفاظ، أو حكاية الصحابي فعلا ظاهره العموم، وتطبيق تلك القاعدة على الأحاديث الآتية:

-قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار (1)

-جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر (2) (هل هو عام في سفر الطاعة والمعصية)

-نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر (3)

-قضى بالشفعة فيما لم يقسم (4)

-صلى النبي عليه الصلاة والسلام داخل الكعبة (5) (هل هو عام في الفريضة والنافلة)

وبارك الله في علمكم وأطال في عمركم على الطاعة والخير والعلم وحفظكم من كل مكروه

الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أما بعد:

فأفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها عدة صور منها:

-كلُّ فعل تشريعي فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالأصل فيه عدم خصوصيته به، ذلك لأنَّ المعلوم استقراءً من القرآن أنَّ الله يخاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بخطاب خاص والمقصود منه العموم في الحكم، نحو قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء? [الطلاق: 1] ، وبيَّن فيه عموم المكلفين، وقال تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ? إلى أن قال: ?قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ? [التحريم: 1- 2] ، وقال تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ...? ثم قال: ?إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا? [الأحزاب: 1-2] ، وقال تعالى: ?فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا? ثم قال: ?مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ? [الروم: 31-30] ، و ما ورد بعد الخطاب الخاص من التعميم في الآيات يستدل به على شموله لأمته، إلاَّ إذا دلَّ دليل على الاختصاص به، ولم يعد حالتئذ تشريعًا لغيره ويحرم فيه التأسي به.

-وأفعاله صلى الله عليه وآله وسلم المثبتة إن كان لها جهات فليست عامة في أقسامها لأنه يقع على صفة واحدة فإن عرف تعيّن وإلاَّ كان مجملا، والإجمال شأنه التوقف فيه والتعطيل حتى يرد الدليل المبين كقول الراوي:"صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد غيبوبة الشفق"فلا يحمل على الأحمر والأبيض تعميما، كما لا تعم صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في الكعبة للفرض والنفل لأنه إخبار عن فعل معلوم، ووقع على صفة واحدة معلومة فلا معنى للعموم بالنسبة لأحوال الفعل.

أمَّا قول الصحابي مرفوعًا:"نهى عن بيع الغرر"وقوله مرفوعا:"قضى بالشفعة للجار"، فإنه يعم الغرر والجار مطلقا، لأنه ليس بحكاية للفعل الذي فعله، بل هو حكاية لصدور النهي منه عن بيع الغرر والحكم منه بثبوت الشفعة للجار، والنهي قول منه صلى الله عليه وآله وسلم، لأنَّ عبارة الصحابي يجب أن تكون مطابقة للمقول لمعرفته باللغة وعدالته، ووجوب تطابق الرواية للمسموع، فكان قول الصحابي: أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو نهى أو قضى أو حَكَم يقتضي العموم، ويؤيده إجماع الصحابة والتابعين على ذلك فقد احتجوا بها في عموم الصور التي وقعت في عصرهم، فمن ذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما:"كُنَّا نُخَابِرُ وَلاَ نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى سمعنا رَافِعَ بْن خَدِيجٍ يقول: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ فَتَرَكْنَاهُ لِقَوْلِهِ" (6) ، وعملوا عموم قول الصحابي:"نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المزَابَنَةِ والمُحَاقَلَةِ" (7) و"أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِوَضْعِ الجوَائِحِ" (8) و"قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالشفْعَةِ لِلْجَارِ"،"وَفِيمَا لَمْ يُقْسَمْ"، واستدلوا بتلك الألفاظ على عموم الأشخاص الذي وقعوا في النهي والأمر والقضاء ومن شابههم لمن جاء بعدهم من جهة لفظ الصحابي ونصه دون نكير فكان إجماعًا.

-أمَّا قول الصحابي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل كذا، أو"كان يجمع بين صلاتين في السفر"، فهذا يفيد العموم، ولا يجري فيه الخلاف المتقدم لأنَّ لفظ"كان"إنما يؤتى به لحكاية الفعل والحادثة على وجه التكرار، وما تكرر أقوى وقعًا مما وقع مرة واحدة.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

الجزائر في: 26 صفر 1427هـ

الموافق لـ: 26 مارس 2006م

1-أخرجه النسائي: 7/321 من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بلفظ:"قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة والجوار". وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي تحت رقم (4705) . وأخرجه ابن أبي شيبة: 6/7 (29035) من حديث علي وعبد الله رضي الله عنهما قالا:"قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة للجوار".

وإثبات الشفعة للجار ورد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:« الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، وإذ طريقهما واحد". أخرجه أبو داود: 3/787، والترمذي: 3/651، وابن ماجه:2/833، وأحمد: 3/303، والبيهقي في سننه: 6/106، والدارقطني في سننه:2/273، وابن عدي في"الكامل": 5/1941، والحديث صححه ابن الجوزي والألباني (انظر نصب الراية للزيلعي:4/174، إرواء الغليل للألباني:5/378) ."

2-أخرجه البخاري في تقصير الصلاة (1111) ، ومسلم في صلاة المسافرين (1659) ، وأبو داود في صلاة السفر (1220) ، والنسائي في المواقيت (593) ، وأحمد (13934) ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

3-أخرجه مسلم في البيوع (3881) ، وأبو داود في البيوع (3378) ، والترمذي في البيوع (1275) ، والنسائي في البيوع (4535) ، وابن ماجه في التجارات (2278) ، وأحمد (9119) ، والدارمي (2609) ، والدارقطني (2879) ، والبيهقي (10720) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

4-أخرجه البخاري في البيوع (2214) ، ومسلم في المساقاة (4213) ، والنسائي في البيوع (4718) ، وأحمد (15683) ، والدارمي (2684) ، والبيهقي (11887) ، من حديث جابر رضي الله عنه.

5-أخرجه البخاري في الصلاة (505) ، ومسلم في الحج (3294) ، وأبو داود في المناسك (2025) ، والنسائي في القبلة (757) ، ومالك في الموطإ (901) ، وأحمد (6069) ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

6-أخرجه النسائي في المزارعة (3933) ، وابن ماجه في الرهون (2544) ، وأحمد (4687) ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وانظر طرقه في"إرواء الغليل"للألباني: (5/297)

7-أخرجه البخاري في البيوع (2186) ، ومسلم في البيوع (4016) ، ومالك في الموطإ (1317) ، وأحمد (11314) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

8-أخرجه مسلم في المساقاة (4063) ، وأبو داود في البيوع (3376) ، والنسائي في البيوع (4546) ، وأحمد (14692) ، والدارقطني في سننه (2951) ، من حديث جابر رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت