فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 995

الفتوى رقم: 206

السؤال: شيخَنا -حفظك الله- هل قولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّمَ: « يعجبني كذا » ، هو من باب طبيعته البشرية أم أنّه يدّل على حكم شرعي؟

مثل قوله صلى الله عليه وسَلَّمَ: « لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ » ، قَالُوا: مَا الفَأْلُ؟ قال: « الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ » رواه الشيخان (1) .

-وفي الحديث السابق: « الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ » هو مُكوَّن من جزأين معرّفين، وهذا يفيد الحصر، فهل نقول إنّ: الفأْل محصور في الكلمة الطيبة أم أنّه يشمل غيرها. - بارك الله فيك-.

الجواب: الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فمعنى «يعجبني » أي: يسرّني الفأل لكونه تأميل خير، وتأميل الخير مطلوب، لأنّ الطيرة سوء الظنّ بالله، والفأل حسن الظنّ بالله، والنبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم قد أبان عن مقتضى الطبيعة البشرية، وحب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها كما أفصح عن ذلك ابن القيم (2) ، وقال: « حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ، وذكر: النِّسَاءَ والطِّيبَ » (4) ، وكان يُحِبُّ حسن الصوت بالقرآن والأذان، وبالجملة كان يحب كلَّ كمالٍ وخيرٍ وما يُفضي إليهما.

هذا، والحصر الذي يُعبِّر عنه الأصوليون بتعريف الجزأين كما في حديث: « تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْليِمُ » (5) ، إنّما يقع الحصر في الخبر، ومفهومه أنّه لا يمكن الدخول في الصلاة إلاّ بالتكبير ولا يخرج منها إلاّ بالتسليم وهو مذهب الجمهور خلافًا للأحناف والظاهرية.

والقاعدة: أنّ هذا الأسلوب يفيد حصر ما لم يرد دليل على منعه فيصار -عندئذٍ- إلى الدليل، وظاهر الحديث أنّه يفيد العموم والاستغراق لكلِّ كلمة يكون طريقها الخير، وأنّ الفأل ليس محصورًا في الكلمة الطيبة، بل هو شامل لكلِّ ما ينشرح به الصدر ويُؤْمَل به الخير سواءً كانت كلمةً طيبةً أو اسمًا حسنًا أو شخصًا صالحًا أو مكانًا طيِّبًا مرَّ عليه، فهذه كلُّها داخلة في حسن الظنِّ بالله تعالى، ولهذا كان يعجبه الفأل لأنه من حسن الظنِّ به سبحانه وتعالى.

وممّا يدلّ على عدم حصره في الكلمة الطيبة أنّه لَمّا أقبل سهيل بن عمرو في قصة الحديبية ليتفاوض مع الرسول صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم ورآه مقبلًا، قال صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: « سُهِّلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ » (6) ، فكان على نحو ما أمل فحصل بمجيئه الخير.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا.

1-أخرجه البخاري في «الطب » (5776) ، ومسلم في «السلام » : (5934) ، من حديث أنس رضي الله عنه.

2-مفتاح دار السعادة لابن القيم: (3/306) .

3-أخرجه البخاري في «الأطعمة » : (5431) ، ومسلم في «الطلاق » (3752) ، وأبو داود في «شراب العسل » : (3715) ، وابن ماجه في «الأطعمة » : (3323) ، وأحمد: (25048) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.

4-أخرجه النسائي في «عشرة النساء » : (3956) ، والحاكم: (2/160) ، وابن عدي في «الكامل » : (3/305) ، وأحمد: (12627) ، والبيهقي: (13836) ، من حديث أنس رضي الله عنه. وصحّحه الألباني في «صحيح الجامع » : (3124) ، وفي «الروض النضير » : (53) ، و «المشكاة » : (2561) .

5-أخرجه أبو داود في «الطهارة » : (61) ، والترمذي في «الطهارة » : (3) ، وابن ماجه في «الطهارة وسننها » : (228) ، وأحمد: (1018) ، والدارمي: (712) ، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

6-أخرجه البخاري في «الشروط » : (2731) ، من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت