فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 995

الفتوى رقم: 922

السؤال:

ترتدي بعضُ النساء خمارًا بلونٍ مُغايِرٍ للون العباءة، وقد يكون في بعض الأحيان مُلفِتًا للأنظار، فهل يجوز التغاير بين الخمار والعباءة؟ وما هي الألوان التي يمكن أن يكون عليها الخمار بصفة شرعية؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالواجب في الخمار ابتداءً أن تُلقِيَهُ المرأةُ على رأسها وتُلويَه على عنقها، وتُرخيَه على صدرها، بحيث تسدله على رأسها وتُغطِّي به عنقها وأذنيها وصدرَها ونحو ذلك، لقوله تعالى: ?وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ? [النور:31] ، والمراد بالجيب هو موضع القطع من الدِّرع والقميص، أي: الفتحة من الأعلى التي يبدو فيها شيءٌ من الصدر والعنق.

والمعلوم -من جهة ثانية- أنَّ النساء شقائق الرجال في الأحكام ما لم يرد دليلٌ شرعي يُفرِّق بين الجنسين في الحكم، كما أنَّ الأصلَ في ألوانِ اللِّباس الحِلُّ والإباحةُ إلاَّ إذا ورد دليلٌ يمنعه عليهما جميعًا أو يخصِّص أحدهما بالمنع دون الآخر، وتظهر الألوان على الوجه التالي:

أمَّا اللون الأسود للنساء فقد ثبت ذلك من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: « لَمَّا نَزَلَتْ ?يُدَنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ? خَرَجَ نِسَاءُ الأنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُؤوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنَ الأكْسِيَةِ » (1) . وقد شبَّهت -رضي الله عنها- ما على رؤوسهنَّ من الأكيسة المتخذة جلابيب بالغربان من جهة سواد لونها، ويدلُّ على إباحة اللون الأسود للنساء -أيضًا- حديثُ أُمِّ خالد بنت خالدٍ أنّها قالت: « أُتي النبيُّ بثيابٍ فيها خَميصةُ سوداءُ صغيرةٌ فقال:« مَن تَرَون أن نكسوَ هذهِ » ؟ فسكتَ القومُ. قال: « ائتُوني بأمِّ خالدٍ » ، فأتيَ بها تُحمل، فأخذ الخميصةَ بيدهِ فألبَسَها وقال: أبْلِي وأخلِقي. وكان فيها عَلمٌ أخضرُ أو أصفر » (2) .

أما اللون الأخضر للنساء فقد ثبت في البخاري «أنَّ رفاعة طلَّقَ امرأتَهُ، فتزوجَها عبدُ الرحمن بن الزُّبير القُرَظيّ، قالت عائشة رضي الله عنها: وعليها خِمارٌ أخضر، فشكَتْ إليها، وأرَتها خُضرةً بجلدها.. » (3) .

وأمَّا اللون الأحمر فيدلُّ على جوازه للنساء دون الرجال ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: « رَأَى النَّبِيُّ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ. فَقَالَ:« أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟ » قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا، قَالَ: « بَلْ احْرِقْهُمَا » (4) .

والمراد بثوبين مُعصفرين أي: مصبوغين بالعصفر الذي له صباغ أحمر. قال النووي في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟ » : « معناه أنَّ هذا من لباس النساء وزيِّهنَّ وأخلاقهنَّ » (5) ، ويدلُّ عليه -أيضًا- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: « هَبَطْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسَلَّم مِنْ ثَنِيَّةٍ فالْتَفَتَ إلَيَّ وَعَليَّ رَيْطَةٌ مُضَرَّجَةٌ بالْعُصْفُرِ فقال: مَا هذِهِ الرَّيْطَةُ عَلَيْكَ؟ فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ، فأَتَيْتُ أهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُون تَنُّورًا لَهُمْ فَقَذَفْتُهَا فِيهِ ثُمَّ أتَيْتُهُ مِنَ الْغَدِ، فقال: يَا عَبْدَ اللهِ مَا فَعَلْتَ الرَّيْطَةَ، فأَخْبَرْتُهُ، فقال: ألاَ كَسَوْتَهَا بَعْضَ أهْلِكَ فإنَّهُ لاَ بَأْس بِهِ لِلنِّسَاءِ » (6) .

وأمَّا الأبيضُ من الثياب فلعموم قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: « الْبِسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فإنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُم » (7) ، وكذا الأصفر للرجال فقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: « وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَصْبِغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبغَ ِبهَا » (8- أخرجه البخاري في «صحيحه » كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين في النعلين:(164) ، وأبو داود في «سننه » كتاب المناسك، باب في وقت الإحرام: (1772) ، وأحمد في «مسنده » : (5316) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.)، وفي سُنن أبي داود عنه رضي الله عنه، قال: « ..وَقَدْ كَانَ يَصْبِغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ » (9) ، والأحاديث السابقة دالَّةٌ على إباحة اللون الأسود والأخضر والأحمر للنساء بالتنصيص عليها، وهي تشمل الرجال -أيضًا- بالأصل السابق البيان ما عدا الأحمر فهو خاصٌّ بالنساء، وأمَّا الأبيض والأصفر فيجوز للمرأة -أيضًا- بموجب الأصل المقرَّر السابق البيان في إباحة الألوان لعدم وجود ما يمنعه أو يخصِّصُه.

هذا، ويجدر التنبيه إلى أنَّ الألوان المهيِّجة أو ذات اللمعان التي يرتديها أهل الخنا والهوى والردى فتُمنع من جهة التشبُّه والإثارة، وكذلك الألوان التي يرتديها بعض الجماعات الدِّينية خاصَّة، فيمنع تقصد الزَّيِّ واللون الَّذَيْنِ يعرف بهما حذرًا من الحدث والبدعة في الدِّين، كما يمنع التَّزَيّ بألوان علم لبلد أو فريقٍ أو نادٍ وخاصة الكافرة منها، لما يقضي إلى شرك المحبة والتعظيم وعقد الولاء والولاء لغير أهله.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 06 جمادى الثانية 1429ه

الموافق ل: 10 جوان 2008م

1-أخرجه أبو داود في «سننه » كتاب اللباس، باب في قوله تعالى يدنين عليهن من جلابيبهن: (4101) ، من حديث أم سلمة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الألباني في «جلباب المرأة المسلمة » : (82) .

2-أخرجه البخاري في «صحيحه » كتاب اللباس، باب الخميصة السوداء: (5485) ، وأبو داود في «سننه » كتاب اللباس، باب فيما يدعى لمن لبس ثوبا جديدا: (4024) ، وأحمد في «مسنده » : (26517) ، من حديث أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنها.

3-أخرجه البخاري في «صحيحه » كتاب اللباس، باب الثياب الخضر: (5487) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.

4-أخرجه مسلم في «صحيحه » كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر: (5436) ، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.

5- «شرح مسلم » للنووي: (14/55) ، وقال: « وأما الأمر بإحراقها، فقيل: هو عقوبة وتغليظ لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل، وهذا نظير أمر تلك المرأة التي لعنت الناقة بإرسالها، وأمر أصحاب بريرة ببيعها وأكر عليهم اشتراط الولاء ونحو ذلك » .

6-أخرجه أبو داود في «سننه » كتاب اللباس، باب في الحمرة: (4066) ، وابن ماجه في «سننه » كتاب اللباس، باب كراهية المعصفر للرجال: (3603) ، وأحمد في «مسنده » : (6813) ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. والحديث صححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد » : (11/76) ، والألباني في «صحيح أبي داود » : (4066) .

7-أخرجه أبو داود في «سننه » كتاب الطب، باب في الأمر بالكحل (3878) ، والترمذي في «سننه » كتاب الجنائز، باب ما يستحب من الأكفان: (944) ، وابن ماجه في «سننه » كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن: (1472) ، وأحمد في «مسنده » : (3332) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صححه ابن الملقن في «البدر المنير » : (4/671) ، وأحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد » : (5/143) ، والألباني في «جلباب المرأة المسلمة » : (82) .

8-أخرجه البخاري في «صحيحه » كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين في النعلين: (164) ، وأبو داود في «سننه » كتاب المناسك، باب في وقت الإحرام: (1772) ، وأحمد في «مسنده » : (5316) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

9-أخرجه أبو داود في «سننه » كتاب اللباس، باب في المصبوغ بالصفرة (4064) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والألباني في «المشكاة » : (4405) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت