الفتوى رقم: 188
السؤال: ما هو تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يبع حاضر لباد"؟ (1) .
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فصورة بيع الحاضر للبادي المنهي عنه هي: أن يحمل البدوي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه ويرجع فيأتيه البلدي فيقول:"ضعه عندي لأبيعه على التدريج بزيادة سعر".
وإنما منع الشرع هذه المعاملة لأنها تعود على أهل البلد بالضرر، لذلك قدمت مصلحة أهل البلد المتمثلة في أهل السوق بشراء المتاع رخيصا على مصلحة الجالب في بيع متاعه غاليا، تقديما للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة (2) .
وقد ذكر أهل العلم شروطا استنبطوها من معنى نص حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي وخصصوا بها الحديث وفي مقابل ذلك امتنع آخرون عن اشتراطها، منها:
-البداوة هل هي قيد في الحديث فلا يلتحق بالبادي إلاّ من كان يشبهه كما هو مذهب مالك رحمه الله وعليه فلا يدخل أهل القرى والمدن الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق ، أمّ أنّ"البادي"في الحديث خرج مخرج الغالب الأعمّ فلا مفهوم له، وعليه يلتحق به من شاركه في عدم معرفة السعر من أهل القرى والمدن لعلة إضرار أهل البلد، وهي علة الحكم المستنبطة من نص الحديث وهذا تفسير الشافعية والحنابلة؟
-ومن القيود الأخرى المختلف فيها: قيد بزمن الغلاء، وبما يحتاج أهل البلد إليه، وقيد كون الممنوع محصورا في البيع بالتدريج بأغلى من سعر الحال، وغيرها من الشرائط والقيود التي تدور في أغلبها بين اعتبار المعنى واتباع اللفظ، الوارد بناؤه على قاعدة أصولية مختلف فيها وهي:"النص إذا استنبط منه معنى هل يعود عليه بالتخصيص أم لا؟"وقد أجاب ابن دقيق العيد بما نصه:"ولكن ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء، فحيث يظهر ظهورا كثيرا فلا بأس باتباعه، وتخصيص النص به، أو تعميمه على قواعد القياسيين، وحيث يختفي، أو لا يظهر ظهورا قويا، فاتباع اللفظ أولى" (3) .
والعلم عندالله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
الجزائر في:30 ذي الحجة 1425هـ
الموافق لـ: 09 فبراير 2005م
1-أخرجه مسلم في البيوع (3899) ، وأحمد (10506) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وأبو داود في الإجارة (3444) ،والحميدي في مسنده (1324) ، من حديث جابر رضي الله عنه.
2-راجع تفصيل هذه المسألة في مؤلفي:"مختارات من نصوص حديثية: 99/117"
3-"الإحكام": (3/115) .