فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 995

الفتوى رقم: 115

السؤال: ما حكم المتاجرة بالعملات الورقية؟

الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وآله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أما بعد:

فاعلم أنَّ علة العملات الورقية النقدية كعلة الذهب والفضة ترجع إلى الثمنية، والأثمان ليس لها قيمة ذاتية مقصودة، وإنما قيمتها اعتبارية، فلا غرض في عينها قال أبو حامد الغزالي -رحمه الله-:"وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم، لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما، إذ لا غرض في عينها، فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودًا على خلاف وضع الحكمة" (1) ، فالأوراق النقدية -إذن- مقياس للأموال لا تقصد لعينها وإنما يتوسل بها إلى السلع وسد الحاجيات، فهي تدخل في باب الوسائل لتحصيل المطالب والمقاصد ولا ينتفع بذاتها، وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية-رحمه الله-:"فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية" (2) .

وعليه، فالاتجار بما جُعل ثمنًا للسلع والمبيعات خروج عن الحكمة الموضوعة لهما، فضلًا عن إضرار الناس وإفساد لمعاملاتهم، و"الضرر يزال"كما تقرر في القواعد، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ » (3) وفي معرض ذكر مفاسد التجارة فيها قال ابن القيم -رحمه الله-:"ويمنع -أي الحاكم- من إفساد نقود الناس وتغييرها، ويمنع من جعل النقود متجرًا، فإنه يدخل على الناس من الفساد مالا يعلمه إلاَّ الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها ولا يتجر فيها، وإذا حرم السلطان سكة أو نقدًا منع من الاختلاط بما أذن من الاختلاط به" (4) .

أما الأصناف الربوية الأخرى الواردة في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه كالبر والشعير والتمر والملح وما يلحق بها فإنّه يجوز الاتجار فيها لأنهما ليست أثمانًا، وإنما هي عروض، والعروض يجوز الانتفاع بعينها، بخلاف الأثمان، فإنه يجوز الاتجار بها ولا يجوز الاتجار فيها بعملية الصرف إلا في حدود الحاجة، وبشرط اتحاد المجلس إذا اختلفت أجناسها، وأن يتم الصرف بسعر يومه وهو السعر العام المتعارف عليه غالبًا.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الجزائر في: 17 ذي الحجة 1426ه

الموافق ل: 17 جانفي 2006م

1-إحياء علوم الدين للغزالي: 4/92.

2-مجموع الفتاوى لابن تيمية: 29/471-472.

3-أخرجه ابن ماجه في الأحكام (2430) ، وأحمد (23462) ، والبيهقي (12224) ، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.وصححه الألباني في الإرواء (896) . وفي السلسلة الصحيحة (250) ، وفي غاية المرام (254) .

4-الطرق الحكمية لابن القيم: 219-220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت