فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 995

الفتوى رقم: 193

السؤال: بعض المصلين ينحرفون عن القبلة يمينا ويسارا اتجاه الجدار بحجة السترة، فما حكم هذا الفعل؟

الجواب: الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فلا يجوز للمصلي الذي اتخذ سترة اتجاه قبلته أن يتحول عنها بتحول سترته لأنّ الله تعالى قال: ?فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسْجِدِ الحرَامِ وَحَيْثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ? [البقرة:150] ، والمراد بالشطر هو جهة القبلة على القول الصحيح، دفعا للمشقة والحرج في إدراك عين القبلة، وإنّما يندب أن يخطو خطوة أو خطوتين إلى القبلة التماسا للسترة إن وجدت ولا يجب عليه، فإن كانت المسافة بعيدة فلا يجوز له أن يخطو الخطوات الكثيرة لأنّ المشي ينافي الخشوع والطمأنينة في الصلاة، وهم ركن في الصلاة لقوله تعالى: ?وَالذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ? [المؤمنون:2] ، ولا يخفى أنّ المراد بالخشوع ههنا خشوعان: خشوع القلب وخشوع الجوارح، والمشي ينافي خشوع الجوارح، وله أن لا يزيد عمّا فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما جاءت شاة تسعى بين يديه فسابقها حتى ألزق بطنه بالحائط ومرت من ورائه، ومعنى ذلك كان سعيه للحاجة في حدود ثلاث إلى أبع خطوات ذهابا وإيابا، حال تقدمه إلى السترة وتقهقره عنها. وتقرير حكم الندب وعدم الوجوب مع أنّ الحديث في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا صلى أحدكم فليصلّ إلى سترة وليدن منها » (1) يفيد الوجوب، ولكن يحمل هذا الوجوب على من كان مبتدئا في الصلاة، أمّا المسبوق فقد امتثل الأمر مع إمامه، لأنّ سترة إمامه له سترة، وبعد انصرافه عنه فهل يبقى حكم الوجوب أم لا؟

فهذه المسألة راجعة إلى مسألة أصولية مختلف فيها وهي: هل الأمر المطلق المجرد عن القرائن يفيد التكرار أم لا؟

فمن رأى حكمها الأول أنّه على الوجوب ورأى أنّ الأمر يفيد التكرار اعتقد الوجوب، ومذهب الجمهور أنّه لا يفيد التكرار، وإنّما يفيد المرّة ويخرج منها بأداء الواجب مرة واحدة، مع العلم أنّ جمهور الفقهاء يقررون استحباب السترة بحكم أصلي.

والمذهب المختار أنّ الأمر المطلق يفيد مطلق الطلب ويتحقق بالمرة الواحدة، وهو مذهب مالك واختاره الآمدي وغيره، وعليه يظهر الحكم جليًا من عدم وجوب السترة والدنو إليها بعد تحصيلها في المرة الأولى، وإنّما يستحب ذلك إذا لم يكن فيه إخلال بالخشوع الواجب في الصلاة.

والعلم عند الله، هذا ما حفظناه عن الشيخ أبي عبد المعز في إحدى جلساته بمسجد الهداية الإسلامية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

1-أخرجه أبو داود في الصلاة (698) ، وابن ماجة في إقامة الصلاة (1007) ، والبيهقي (3580) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (641) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت